اللهم صل على محمد وال محمد --- aboutaqua@yahoo.it --- اللهم صل على محمد وال محمد

البـــلاء والصـــبر

قال الله تعالی:{ ولنبلونکم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرین ، الذین إذا أصابتهم مصیبة قالوا إنا لله وإنا إلیه راجعون ، أولائک علیهم صلوات من ربهم ورحمة وأولائک هم المهتدون } البقرة ١٥٧
قال رسول الله(ص):« الصبر ثلاثة: صبر عند المصيبة، وصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية . فمن صبر على المصيبة حتى يردها بحسن عزائها، كتب الله له ثلاث مائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء إلى الأرض . ومن صبر على الطاعة، كتب الله له ستمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى العرش . ومن صبر على المعصية، كتب الله له تسعمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى منتهى العرش ».
قال أمير المؤمنين(ع):«.. وعليكم بالصبر، فإنّ الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد، ولا خير في جسد لا رأس معه، ولا في إيمان لا صبر معه ».
قال الإمام الصادق(ع):« إصبروا علی الدنیا فإنما هي ساعة، فما مضی منه فلا تجد له ألما ولا سرورا، وما لم یجيء ، فلا تدري ما هو وإنما هي ساعتک التي أنت فیها. فآصبر فیها علی طاعة الله ، واصبر فیها عن معصیة الله ».
الصبر هو کف النفس وثباتها عن الجزع، وعدم اضطرابها عند حلول مکروه ، بحيث لا يخرجها عن سعة الصدر وما كانت عليه قبل ذلك من السرور والطمأنينة ، فيحبس المرىء لسانه عن الشكوى من الأمورالمؤلمة للنفس ، وأعضائه عن الحركات غير المعتادة . وهذا هو الصبر على المكروه ، وضده الجزع .
قال النبي(ص):« إذا أراد الله بعبد خيرا، وأراد أن يصافيه، صب عليه البلاء صبا وثجه عليه ثجا، فإذا وعاه ، قالت الملائكة صوت معروف، وإذا دعاه ثانيا فقال: يا رب! قال الله تعالى: لبيك عبدي وسعديك ! ألا تسألني شيئا إلا أعطيتك، أو رفعت لك ما هو خير، وادخرت لك عندي ما هو أفضل منه. فإذا كان يوم القيامة، جيئ بأهل الأعمال فوزنوا أعمالهم بالميزان، أهل الصلاة والصيام والصدقة والحج، ثم يؤتى بأهل البلاء، فلا ينصب لهم ميزان، ولا ينشر لهم ديوان، يصب عليهم الأجر صبا كما كان يصب عليهم البلاء صبا، فيود أهل العافية في الدنيا لو أنهم كانت تقرض أجسادهم بالمقاريض، لما يرون ما يذهب به أهل البلاء من الثواب، فذلك قوله تعالى: إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ».
قال الإمام علي(ع):« إنّ أشد الناس بلاء ، النبیون ثم الوصیون ثم الأمثل فالأمثل، وإنما یبتلی المؤمن علی قدر أعماله الحسنة. فمن صح دینه وحسن عمله إشتد بلاءه ، وذلک أنّ الله تعالی لم یجعل الدنیا ثوابا لمؤمن ولا عقوبة لکافر. ومن سخف دینه وضعف عقله، قلّ بلاءه ، وإنّ البلاء أسرع إلی المؤمن التقي، من المطر إلی قرار الأرض ».
قال الصادق(ع):« إنّ الحرّ حرّ علی جمیع أحواله، إن نابته نائیة صبر لها، وإن تداکـّت علیه المصائب لم تکسره، وإن أسر وقهر واستبدل بالیسر عسرا، کما کان یوسف الصدیق الأمین لم یضرر حریته أن استعبد وقهـر وأسر، ولم تضرره ظلمة الجب ووحشته وما ناله أن منّ الله علیه ، فجعل الجبار العاتي له عبدا بعد أن کان له مالکا فأرسله ورحم به أمة. وکذلک الصبر یعقّب خیرا، فآصبروا ووطنوا أنفسکم علی الصبر تؤجروا ».
قال الشاعر:
إذا الأمر أعيى اليوم فانظر بــــــــه..........غدا لعل عسيرا في غد يتيســر
ولا تبد قولا من لسانك لم يـــــرض...........مواقعه من قبل ذاك التفكــــــر
ولا تصر من حبل إمرئ في رضى............إمرئ فيتصلا يوما وحبلك أبتر
قال سبحانه وتعالى:{ للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } الزمر١٠
روي أنّ عيسى(ع) مر برجل أعمى وأبرص مقعد مفلوج ، وقد تناثر لحمه من الجذام، وهو يقول: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى به كثيرا من الناس ، فقال عيسى: يا هذا، أي شئ من البلاء تراه مصروفا عنك ؟ فقال: يا روح الله، أنا خير ممن لم يجعل الله في قلبه ما جعل في قلبي من معرفة، فقال: صدقت! هات يدك، فناوله يده، فإذا هو أحسن الناس وجها وأفضلهم هيئة، قد أذهب الله عنه ما كان به ، وصحب عيسى وتعبد به !
إنّ المنغصات في حیاة المؤمن تساعده علی التکامل، إذ أنها لا تدع له مجالا للإستئناس بالدنیا والرکون إلی متعها، فهي بمثابة أشواک نابتة علی الأرض ، تمنع الطیر من الإخلاد إلیها حتی یواصل تحلیقه في العلی !
قال الإمام الباقر(ع):« إنّ الله إذا أحب عبدا أغرى به الناس. وإنّ الله تعالى أخذ ميثاق المؤمن على أربع: مؤمن مثله يحسده ، ومنافق يقفو أثره ، وشيطان يفتنه ، وكافر يرى جهاده وقتله. فما بقاء المؤمن مع هذا ؟! وإنّ الله تعالى يتعاهد عبده المؤمن بالبلاء ، كما يتعاهد الرجل أهله بالهدية ، ويحميه الدنيا كما يحمي الطبيب المريض. وإنّ لله عبادا من خلقه، ما من بلية أو تقتير في الرزق إلا ساقه إليهم، ولا عافية أو سعة في الرزق إلا صرف عنهم، ولو أنّ نور أحدهم قسم بين أهل الأرض، لاكتفوا به.. ».
وقال الإمام الكاظم(ع):« لن تكونوا مؤمنين حتى تعدوا البلاء نعمة والرخاء مصيبة ، وذلك أنّ الصبر عند البلاء ، أعظم من الغفلة عند الرخاء ».
العامل الذي یشتغل مع ضمان أي خسارة تحدث له في نفسه أو بدنه.. إذا حدث له حادث أثناء الشغل، فإنه مطمئن بل أحیانا یفرح لعظم التعویض. کذلک المؤمن الذي أخلص حیاته لرب العالمین، یعلم بأنّ أيّ بلاء یصیبه فإنه مضمون العوض فهو مطمئن ولا یستوحش من توارد البلاء.. علی عکس العاصي، فإنه یجزع لأقل الإمتحانات وأهونها !
قال رسول الله(ص):« قال الله تعالى: وعزتي وجلالي وعظمتي وارتفاعي، لولا حيائي من عبدي المؤمن، لما جعلت له خرقة ليواري بها جسده، وإني إذا أكملت إيمانه إبتليته بفقر في ماله، ومرض في بدنه، فإن هو حرج أضعفت عليه، وإن هو صبر باهيت به ملائكتي ».
قال أمير المؤمنين(ع):« من أبتلي بالفقر فقد أبتلي بأربع خصال: الضعف في یقینه، والنقصان في عقله، والرقة في دینه، وقلة الحیاء في وجهه . فنعوذ بالله من الفقر ».
قال الله تعالى:{ ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } النحل ٩٦
قال الإمام الباقر(ع):« بينا موسى يمشي على ساحل البحر، إذ جاء صياد فخر للشمس ساجدا وتكلم بالشرك، ثم ألقى شبكته فخرجت مملوءة ، ثم ألقاها فخرجت مملوءة ، ثم أعادها فخرجت مملوءة فمضى . ثم جاء آخر فتوضأ وصلى وحمد الله وأثنى عليه، ثم ألقى شبكته فلم يخرج فيها شئ - ثلاث مرات- غير سمكة صغيرة ، فأخذها وحمد الله وأثنى عليه وانصرف. فقال موسى: يا رب، عبدك الكافر تعطيه مع كفره ، وعبدك المؤمن لم تخرج له غير سمكة صغيرة ؟ فأوحى الله إليه: أنظر عن يمينك ، فكشف له عما أعد الله لعبده المؤمن، ثم قال: أنظر عن يسارك ، فكشف له عما أعد الله للكافر، فنظر، ثم قال: يا موسى ما نفع هذا الكافر ما أعطيته، ولا ضر هذا المؤمن ما منعته . فقال موسى: يا رب، يحق لمن عرفك أن يرضى بما صنعت ».
قال الإمام الكاظم(ع):« مثل المؤمن كمثل كفتي الميزان، كلما زيد في إيمانه زيد في بلائه ، ليلقى الله عز وجل ولا خطيئة له ».
ومن مراتب الصبر الخاص بأولياء الله إليك هذه القصة:
سأل شاب من المحبین ذات يوم الشبلي الزاهد عن الصبر فقال: أيّ الصبر أشد؟ فقال الشبلي: الصبر لله. فقال الشاب: لا. فقال: الصبر بالله. فقال: لا. فقال: الصبر علی الله. فقال: لا. فقال: الصبر في الله. فقال لا. فقال الصبر مع الله. فقال لا. فقال ویحک، فأيّ ؟ فقال الشاب: الصبر عن الله. فشهق الشبلي فخرّ مغشيا علیه !
قال النبي(ص):« من أحب السبل إلى الله جرعتان: جرعة غيظ تردها بحلم، وجرعة حزن تردها بصبر..».
قال الإمام علي(ع) حين عزّی الأشعث بن قیس عن إبن له:« یا أشعث، إن تحزن علی إبنک فقد استحقت ذلک منک الرحم ، وإن تصبر ففي الله من کل مصیبة خلف . یا أشعث، إن صبرت جری علیک القدر وأنت مأجور، وإن جزعت جری علیک القدر وأنت مأزور. إبنک سرّک وهو بلاء وفتنة ، وحزنک وهو ثواب ورحمة».
قال الشاعر:
لا تيئسن لروح الله من فــــرج..........يأتي به الله في الروحات والدلج
فما تجرع كأس الصبر معتصم..........بالله، إلا أتاه الله بالفـــــــــــــرج
قال أمير المؤمنين(ع):« من إجلال الله ومعرفة حقه ، ألا تشكو وجعك ولا تذكر مصيبتك ».
يا أبوتقوى: العالم بالأصلح جلّ شأنه، هو الذي قدر علیک الفقر وساق إليك المصائب والأمراض.. فإن کنت ولا بدّ شاکیا، فلا تشکوه لغیره ، بل أشکو له هو، خاصة في ظلم اللیالي.. واقتنع بالکفاف واشکره علی تلک النعمة حتی لا یحرمک منها أیظا.
" من کان في نعمة ولم یشکر، خرج منها ولم یشعر" !
سُـئل الإمام الباقر(ع) عن الصبر فقال:« شئ لا شكوى فيه ، ثم قال: وما في الشكوى من الفرج ؟ وإنما هو يحزن صديقك ويفرح عدوك ».
وقال أيظا(ع):« يا بني من كتم بلاء أبتلي به من الناس، وشكا ذلك إلى الله عز وجل، كان حقا على الله أن يعافيه من ذلك البلاء ».
قال النبي(ص):« ما من عبد مؤمن أصيب بمصيبة فقال كما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي وأعقبني خيرا منها ، إلا وفعل الله ذلك ».
وقال علي(ع):« ينزل الصبر على قدر المصيبة ، ومن ضرب يده على فخذه عند مصيبته ، حبط عمله ».
قال لقمان لإبنه:« إعلم يا بني، أني قد ذقت الصبر وأنواع المر، فلم أجد أمرّ من الفقر، فإذا افتقرت يوما فاجعل فقرك بينك وبين الله ، ولا تحدث الناس بفقرك فتهون عليهم، ثم سل في الناس: هل من أحد وثق بالله فلم ينجه » ؟!
لقد قهر الله سبحانه وتعالی کل شيء بوجود ما فوقه، وعلی هذا الأساس إذا أردت أن تهون علیک الدنیا وشدائدها، فآنظر إلی ما هو أشدّ وأصعب منها وتأمل لو أضیف إلی ما أنت فیه، شدّة أخری مما هو أشدّ علیک، کیف کنت تصنع ؟!

" أخفیت رضاي في جفاء المخلوق ، فمن أراد رضاي فلیصبر علی أذی الغیر" !
قال الإمام علي(ع):« عند تناهي الشدة تكون الفرجة. وعند تضايق حلق البلاء يكون الرخاء ».
قال بعضهم: ذهبت عيني منذ ثلاثين سنة ، ما علم به أحد !
قال الشاعر:
صبرت ولم أطلع هواي على صبري...........وأخفيت ما بي منك عن موضع الصبر
مخافة أن يشكو ضميري صبابتـــــي..........إلى دمعتي سرا فيجـــــــري ولا أدري
قال أمير المؤمنين(ع):« من لم ینجـّه الصبر، أهلکه الجزع ».
وقال أيظا(ع):« لا یعدم الصبور الظفر، وإن طال به الزمان ».
یا أبو تقوی: إذا أصبت بمصيبة في مالك أو نفسك أو ولدك.. فآذكر مصابك بأهل البيت(ع)، فإنّ الخلائق لم يصابوا بمثلهم قط !
وآعلم أنّ کل الإبتلاءات التي تحل بک، إنما هو إختبار لک من الله جلت عظمته سرعان ما يزول إنشاء الله ، وذلک لیعرف صدق إیمانک ومقدار صبرک وحبّک له.. فاصبر تؤجر!!
قال الحق سبحانه:{ أحسب الناس أن یترکوا أن یقولوا آمنا وهم لا یفتنون ، ولقد فتـنا الذین من قبلهم فلیعلمنِّ الله الذین صدقوا ولیعلمن الکاذبین } العنکبوت ٣
والحمد لله رب العالمين.

اليقـين والـرضا والـتوكــل

قال الله تعالی:{ قل لن یصیبنا إلا ما کتب الله لنا هو مولانا وعلی الله فلیتوکل المؤمنون } التوبة ٥١
قال رسول الله(ص):« لا يكمل عبد الإيمان بالله حتى يكون فيه خمس خصال: التوكل على الله، والتفويض إلى الله، والتسليم لأمر الله، والرضا بقضاء الله، والصبر على بلاء الله . إنه من أحبّ في الله وأبغض في الله وأعطى لله ومنع لله، فقد إستكمل الإيمان ».
اليقين هو ضد الحيرة والشك، وهو إعتقاد راسخ ثابت جازم مطابق للواقع، غير زائل بشبهة وإن قويت .
وهو أشرف الفضائل والكمالات النفسية، وهو الكبريت الأحمر الذي من وصل إليه فاز بالرتبة القصوى والسعادة العظمى .
قال الإمام الصادق(ع):« من صحة یقین المرء المسلم، أن لا یُرضي الناس بسخط الله، ولا یلومهم علی ما لم یؤته الله، فإنّ الرزق لا یسوقه حرص حریص، ولا یردّه کراهیة کاره، ولو أنّ أحدکم فرّ من رزقه کما یفر من الموت، لأدرکه رزقه کما یدرکه الموت. ثم قال(ع): إنّ الله بعدله وقسطه جعل الروح والراحة في الیقین والرضا، وجعل الهمّ والحزن في الشک والسخط ».
قال الإمام الکاظم(ع):« ینبغي لمن عقل عن الله ، أن لا یستبطئه في رزقه ، ولا یتهمه في قضاءه ».
لصاحب اليقين علامات:
أن لا يلتفت في أموره إلى غير الله سبحانه، ولا يكون إتكاله في مقاصده إلا عليه وحده، ويعلم أنّ ما يرد عليه منه تعالى، وما قدر له وعليه من الخير والشر سيساق إليه، فيستوي عنده حينئذ الفقر والغنى، والصحة والمرض، والعز والذل.. ولم يكن له خوف ورجاء إلا منه تعالى . والسر في ذلك: أنه يرى الأشياء كلها من عين واحدة ، هو مسبب الأسباب ، فلا يلتفت إلى الوسائط ، بل يراها مسخرة تحت حكمه !
أن يكون في جميع الأحوال خاضعا خاشعا لله سبحانه ، قائما بوظائف خدمته ، متوجها بشراشره إليه، معرضا عن جميع ما عداه ، مفرغا قلبه عما سواه ، منصرفا بفكره إلى جناب قدسه، مستغرقا في لجة حبه وأنسه.
والسر في ذلك: أنّ صاحب اليقين عارف بعظمة الله وقدرته، وبأنه تعالى مشاهد لأعماله وأفعاله، مطلع على خفايا ضميره وهواجس خاطره ، فيكون دائما في مقام الشهود لديه والحضور بين يديه ، فلا ينفك لحظة عن الحياء والخجل والإشتغال بوظائف الأدب والخدمة ، ويكون سعيه في تخلية باطنه عن الرذائل وتحليته بالفضائل، أشد من تزيين ظاهره لأبناء نوعه !
قال سبحانه وتعالى:{ إنّ الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق وآعبدوه } العنكبوت ١٧
قال النبي(ص):« من سره أن يكون أغنى الناس ، فليكن بما عند الله أوثق منه بما في يده ».
لليقين مراتب:(علم اليقين)، (عين اليقين)، (حق اليقين).. وحصول كل هذه المراتب يتوقف على مجاهدات شاقة ورياضات قوية ، وبدون ذلك، لا يحصل هذا النوع من اليقين والمشاهدة :
وكيف ترى ليلى بعين ترى بها..........سواها، وما طهرتها بالمدامع !
قال الصادق(ع):« عجبت للمرء المسلم لا يقضي الله عز وجل له قضاء إلا كان خيرا له، إن قرض بالمقاريض كان خيرا له، وإن ملك مشارق الأرض ومغاربها كان خيرا له ».
الرضا: ضد السخط وهو ترك الإعتراض على أمر الله، والفرح والسرور بقضاءه وقدره حلوه ومرّه ، ووقوف العبد علی کل إرادات الله سبحانه فلا یتبع إرادته هو، ولا یلتمس أو یتمنی تقديم أو تأخیر أمرا من أموره جل جلاله، بل تکون إرادته فانیة في إرادة الحق جلت عظمته، إذ المحب يستحسن كل ما يصدر عن محبوبه، فلا يرجح بعضها على بعض !
قیل لأحد أهل السلوک: ماذا ترید؟ قال: " أرید أن لا أرید " !!
قال موسی(عليه السلام):« یا رب أرني أحبّ خلقک إلیک وأکثرهم عبادة. فأمره الله تعالی أن ینتهي إلی قریة إلی ساحل بحر، وأخبره أنه یجده في مکان قد سماه له. فوصل إلی ذلک المکان فوقع علی رجل مجذوم یسبح الله تعالی. فقال موسی لجبرئیل: یا جبرئیل، أین الرجل الذي سألت ربي أن یریني إیاه ؟ فقال جبرئیل: هو یا کلیم الله هذا. فقال: یا جبرئیل إني کنت أحب أن أراه صواما قواما. فقال جبرئیل: هذا أحب إلی الله تعالی وأعبد من کثیر من الصوام والقوام ، وقد أمرت بذهاب کریمته فاسمع ما یقول. فأشار جبرئیل إلی عینیه فسالتا علی خدیه. فقال: متعتني بهما حیث شئت وسلبتني إیاهما حیث شئت وأبقیت لي فیک طول الأمل، یا بار یا وصول! فقال له موسی: یا عبد الله، إني رجل مجاب الدعوة فإن أحببت أن أدعو لک الله تعالی یرد عليك ما ذهب من جوارحک، ویبرئک من العلة فعلت. فقال رحمة الله علیه: لا أرید شیئا من ذلک، إختیاره لي أحبّ إليّ من إختیاري لنفسي. فقال له موسی: سمعتک تقول یا بار یا وصول، ما هذا البرّ والصلة الواصلان إلیک من ربک ؟ فقال: ما أحد في هذا البلد یعرفه غیري ـ أو قال: یعبده ـ فراح موسى(ع) متعجبا وقال: هذا أعبد أهل الدنیا » !
قال الله تعالى:{ ومن یتوکل علی الله فهو حسبه إنّ الله بالغ أمره قد جعل الله لکل شيء قدرا } الطلاق٣
عن أمير المؤمنين(ع) قال:« إنّ النبي(ص) سأل ربه ليلة المعراج فقال: یا رب، أيّ الأعمال أفضل؟ فقال الله عز وجل: یا أحمد، لیس شيء أفضل عندي، من التوکل عليّ والرضا بما قسمت ».
وقال الإمام علي(ع):« الإیمان له أرکان أربعة: التوکل علی الله، وتفویض الأمر إلی الله، والرضا بقضاء الله، والتسلیم لأمر الله عز وجل ».
التوكل: هو: إظهار العجز والإعتماد علی الله في کل شيء .
فالذي يؤمن بأنّ الله بيده تصريف الحياة، وبيده النفع والضر، يترك الأمر إليه ويرضى بمشيئته، فلا يفزعه المستقبل وما يخبئه له من مفاجآت، ويستعيض عن الخوف، بسكينة واطمئنان إلى عدل الله ورحمته .
فالتوكل هو زاد روحي للتغلب على الخوف والقلق، وهو الذي يعطي المؤمن بسمة أمام أحلك الساعات التي تمر به، ويهبه سكينة النفس المحروم منها كثير من سكان هذا العالم !
أرکان التوکل أربعة:
الإیمان بأنّ الوکیل یعلم حاجة الموکل.
الإیمان بأنّ الوکیل قادر علی قضاء حاجة الموکل.
الإیمان بأنّ للوکیل رحمة وشفقة علی الموکل.
الإیمان بأنّ البخل بعید عن ساحته.
قال رسول الله(ص):« لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله، لرزقتم كما ترزق الطيور تغدوا خماصا وتروح بطانا ».
وقال الإمام زين العابدين(ع) في دعائه:« إلاهي، إن أعطیتني فمن ذا الذي یمنعني؟ وإن منعتني فمن ذا الذي یعطیني » ؟!
إنّ العبد الذي یوکل أموره إلی الحق المتعال، یجد بوضوح مدد التیسیر والتسدید من الحق في کل شأن من شؤون حیاته، فالیسیر من السعي قد یستنزل الواسع من الرزق، وهو من الرزق الذي یطلب الإنسان ولا یطلبه، وبذلک لا یقع في عناء طلب ما لم یقدر له فیه رزقا.. والقلیل من الذریة یوجب له خلود الذکر.. والقلیل من العلم النافع یفتح له الآفاق الواسعة لمعرفة ما ینبغي علیه فعله في أمر معاشه ومعاده..!
قال النبي(ص):« یا أبا ذر.. إن سَـرّک أن تکون أقوی الناس، فتوکل علی الله ».
قال الصادق(ع):« أوحى الله إلى داود: ما اعتصم بي عبد من عبادي دون أحد من خلقي، عرفت ذلك من نيته، ثم تكيده السماوات والأرض ومن فيهن، إلا جعلت له المخرج من بينهن ».
يا أبوتقوى: إنّ الانسان الذي تطلب منه إعمار دنیاک: من عمل أو جاه أو مال أو ما شابه.. إرادته لن تکون فاعلة في ملک الحق سبحانه وتعالی..!
" لا مؤثر في الوجود الا الله ".
فلا یؤثر موجود آخر في الوجود ولا في کمالات الوجود، إلا الله !
قال سبحانه وتعالی:{ وإن یمسسک الله بضرّ فلا کاشف له إلا هو وإن یُردک بخیر فلا رادّ لفضله یصیب به من یشاء من عباده وهو الغفور الرحیم } یونس ١٠٧
قيل لبعضهم: ما وجدت من آثار الرضا في نفسك ؟ فقال:« ما فيّ رائحة من الرضا، ومع ذلك لو جعلني الله جسرا على جهنم، وعبر عليّ الأولون والآخرون من الخلائق ودخلوا الجنة، ثم يلقوني في النار وملأ بي جهنم، لأحببت ذلك من حكمه ، ورضيت به من قسمه، ولم يختلج ببالي أنه لم كان كذا، وليت لم يكن كذا، ولم هذا حظي وذاك حظهم »!
" إنّ أولیائي تحت قبابي ، لا یعرفهم غیري ".
فالانسان الذي یری في محبوبه الکمال المطلق، علیه أیظا أن یری کل أفعاله، حلوها ومرها، هي جمیلة وکاملة !
" لا یاتي من الجمیل المطلق ، إلا مطلق الجمال"
والحکیم لا بُـدّ أن یقلـّب علی عبده الأحوال، لئلا یطمئن إلی حال. ومراده أن یکون منقطعا إلیه في کل حال !!
قال الإمام السجاد(ع):« الصبر والرضا رأس طاعة الله، ومن صبر ورضي عن الله فيما قضى عليه فيما أحب أو كره، لم يقض الله عز وجل له فيما أحب أو كره، إلا ما هو خير له ».
إنّ منشأ عدم الرضا بقضاء الله تعالی وتمني خلاف الواقع ، إنما هو الجهل بحکم الأشیاء ومصالحها، فلو ظهرت للإنسان حکمة الأشیاء لما تمنی غیر الواقع .
سيدي السم من قبلک دواء..........والفحش من فمک طیبات !
فکل ما یصیبک ـ یا أبو تقوی ـ یجب أن تنظر إلیه بأنه من مقام رأفة الحق بک وهو الأصلح بحالك، وأنّ السخط والكراهة لا يفيدان شيئا ولا يبدلان القضاء، لأنّ ما قدر يكون، وما لم يقدر لم يكن !
فإصرارک الملح علی طلب حاجة من الحوائج، هو من باب ظنک في أنّ قضاء تلک الحاجة، مما یختم لک بالسعادة، والحال أنه لم ینکشف لک ما یوجب لک مثل هذا الیقین.
قال الإمام الحــسن(ع):
کن علی همومک معرضا............وکِل الأمور إلی القضا
فلربما اتسع المضیــــــــق..........وربما ضاق الفـــــضا
ولربّ أمر مسخـــــــــــط............لک في عواقبه رضــا
الله یفعل ما یشــــــــــــــاء..........فلا تکن مـــــــعترضـا
الله عوّد الجمیـــــــــــــــل...........فقس علی ما قد مضـی
حاول أن تعوّد نفسک علی التأمل في حِکـَم الأشیاء ومصالحها، حتی یسهل علیک الرضا بها وقبولها.
أبَی الله أن یجري الأمور إلا بأسبابها، والأسباب لا بدّ من إتصالها بمسبباتها، والأمور العظام لا تنال بالمنی ولا تدرک بالهوی !
روي أن موسى(ع) قال:« يا رب، دلني على أمر فيه رضاك. فقال تعالى: إنّ رضاي في رضاك بقضائي ».
والحمد لله رب العالمين.

التــقوى والزهـد في الـدنيا

قال الله تعالی:{ یا أیها الذین آمنوا إتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } آل عمران ١٠٢
قال رسول الله(ص):« يا أبا ذر، إنّ الله تعالى لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم . يا أبا ذر، التقوى هاهنا. وأشار بيده إلى صدره ».
قال أمیر المؤمنین(ع):« إعلموا عباد الله أنّ التقوى دار حصن عزيز، والفجور دار حصن ذليل، لا يمنع أهله ولا يحرز من لجأ إليه ، ألا وبالتقوى تقطع حمة الخطايا ، وباليقين تدرك الغاية القصوى ».
قال الإمام الصادق(ع):« ما نقل الله عز وجل عبدا من ذل المعاصي إلى عز التقوى ، إلا أغناه من غير مال ، وأعزه من غير عشيرة ، وآنسه من غير بشر».
وقال أیظا(ع):« إنّ قليل العمل مع التقوى ، خير من كثير بلا تقوى».
التقوی: هو حفظ النفس حفظا باتا بترک الشبهات ، حتی لا تقع في المحظورات.
والورع: هو شدة التقوی ومنتهی الحذر ورد النفس عن الشهوات.. وهما من أعلی ما ینال بهما السعادات ورفیع الدرجات !
الورع مراتب:
ورع العوام: الإجتناب عن الکبائر.
ورع الخواص: الإبتعاد عن الشبهات خشیة الوقوع في المحرمات.
ورع أهل الزهد: الإجتناب عن المباحات للإبتعاد عن وزرها.
ورع أهل السلوک: ترک النظر إلی الدنیا للوصول إلی المقامات.
ورع المجذوبین: ترک المقامات للوصول إلی مشاهدة جمال الله.
ورع الأولیاء: الإجتناب عن التوجه للغایات..
قال سبحانه وتعالی:{ يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون } الأعراف ٢٦
قال النبي(ص):« من اشتاق إلى الجنة سارع إلى الخيرات ، ومن خاف من النار لهى عن الشهوات، ومن ترقب الموت ترك اللذات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات ».
بعد حصول التقوی التامة والکاملة وانصراف القلب نهائیا عن جمیع العوالم ورفض التوجه نحو النشأتین ـ الملک والملکوت ـ ووطأ الأنانیة والإنیة ، یحصل صفاء في القلب یبعث علی تجلي أسماء الله وصفاته ، وتمزق الحجب التي أسدلت بین العبد والأسماء والصفات..
قال الصادق(ع):« لیس منا ولا کرامة، من کان في مِصر فیه مائة ألف أو یزیدون ، وکان في ذلک المِصر أحد أورع منه ».
قال الشاعر:
تزود من التقوى فإنك راحـــــــل............وبادر فإنّ الموت لا شك نازل
وإن إمرئ قد عاش خمسين حجة..........ولم يتزود للمعاد فجاهـــــــــل
حـُکيَ عن لسان التقوی أنها قالت:" إني لا أسکن إلا في قلب محزون " !
وجاء في حدیث قدسي:« أنا عند المنکسرة قلوبهم ».
قال رسول الله(ص):« هل منكم من يريد أن يذهب الله عنه العمى ويجعله بصيرا ؟ ألا إنه من رغب في الدنيا وطال فيها أمله أعمى الله قلبه على قدر ذلك ، ومن زهد في الدنيا وقصر أمله فيها، أعطاه الله علما بغير تعلم وهدى بغير هداية ».
قال الصادق(ع):« في التوراة مکتوب: یا ابن آدم، تفرغ لعبادتي أملأ قلبک غنی ولا أکلک إلی طلبک، وعليّ أن أسدّ فاقتک وأملأ قلبک خوفا مني، وإن لا تفرغ لعبادتي أملأ قلبک شغلا بالدنیا ثم لا أسدّ فاقتک وأکلک إلی طلبک ».
الزهد: هو ترک الشيء والإعراض عنه، إحتقارا له وعدم المیل والرغبة فیه.
فالزهد: هو الرغبة عن الدنيا عدولا إلى الآخرة ، أو عن غير الله عدولا إلى الله ، وهو الدرجة العليا.
فمن رغب عن كل ما سوى الله حتى الفراديس، ولم يحب إلا الله، فهو الزاهد المطلق !
قال أمير المؤمنين(ع):« الزهد كله بين كلمتين من القرآن، قال الله سبحانه:" لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما أتاكم". فمن لم يأس على الماضي ولم يفرح بالآتي ، فقد أخذ الزهد بطرفيه ».
قال لقمان الحکیم:« يا بني.. ولا تکن في هذه الدنیا بمنزلة شاة وقعت في زرع أخضر، فأکلت حتی سمنت فکان حتفها عند سمنها، ولکن إجعل الدنیا بمنزلة قنطرة علی نهر، جزت علیها وترکتها ولم ترجع إلیها آخر الدهر».
للزهد مراتب:
زهد العامة: وهو الإعراض عن الدنیا للوصول إلی نعیم الآخرة.. وصاحب هذا المقام هو أسیر الشهوة ، لأنه ترک الشهوات الزائلة للوصول إلی اللذات الباقیة.
زهد الخاصة: وهو الإعراض عن المشتهیات الحیوانیة واللذائذ الشهوانیة ، للوصول إلی المقامات العقلانیة واللــذات الروحیة.. وهي مرتبة من المراتب العالیة من عالم الآخرة ، إلا أنها لیست زهدا حقیقیا، بل هو ترک شهوة ولذة، لشهوة ولذة .
زهد أخص الخواص: وهو الإعراض عن اللذات الروحانیة وترک المشتهیات العقلانیة ، للوصول إلی جمال الجمیل الإلاهي وإلی حقائق المعارف الربانیة . وهذا أول مقامات الأولیاء والمحبین ومن مراتب الزهد العالیة.
قال الله تعالی:{ ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى } طه ١٣١
قال الإمام الكاظم(ع):« من أخرجه الله تعالى من ذل المعصية إلى عز الطاعة، أغناه الله بلا مال وأعزه بلا عشيرة وآنسه بلا أنيس . ومن خاف الله تعالى، أخاف الله منه كل شئ ، ومن لم يخف الله ، خوفه الله من كل شئ . ومن رضي من الله تعالى باليسير من المعاش ، رضي الله منه باليسير من العمل. ومن زهد في الدنيا، أثبت الله الحكمة في قلبه وأنطق بها لسانه، وبصره عيوب الدنيا- داءها ودواءها- وأخرجه من الدنيا سالما إلى دار السلام ».
قال النبي(ص) لرجل يعظه:« إرغب فيما عند الله يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس ، إنّ الزاهد في الدنيا يريح ، ويريح قلبه وبدنه في الدنيا والآخرة ، والراغب فيها يتعب قلبه وبدنه في الدنيا والآخرة..».
إذا السالک وجّه وجه قلبه إلی الغني المطلق وآمن بالفقر الذاتي للموجودات{ یا أیها الناس أنتم الفقراء إلی الله والله هو الغني الحمید}, وارتبط بالخالق أکثر، إلا واستغنی عن العالمین وبلغ درجة لا یری معها لملک سلیمان قیمة !
قال الإمام علي(ع):« إنما الناس ثلاثة: زاهد وراغب وصابر: فأما الزاهد فلا يفرح بشئ من الدنيا أتاه ولا يحزن على شئ منها فاته ، وأما الصابر فيتمناها بقلبه ، فإن أدرك منها شيئا صرف عنها نفسه لما يعلم من سوء عاقبتها ، وأما الراغب فلا يبالي من حل أصابها أم من حرام ».
قال الصادق(ع):« أتی رجل رسول الله(ص) فقال: علمني یا رسول الله شیئا، فقال: علیک بالیأس عما في أیدي الناس فإنه الغنی الحاضر. قال: زدني یا رسول الله ، قال: إیاک والطمع فإنه الفقر الحاضر ».
إنّ التوجه إلی المخلوقین بجعلهم سببا لتحقق الخیرات، من دون الإلتفات إلی(مسببیة) المولی للأسباب ، لمن موجبات(إحتجاب) الحق تعالی عن العبد ، إذ أنّ الخیر بیده یصیب به من یشاء من عباده ، بسبب من یشاء ، وبما یشاء ، وکیفما یشاء..!
قال أمير المؤمنين(ع):« لو کانت الدنیا ذهب والآخرة خزف ، لأخذت خزف الآخرة علی ذهب الدنیا، فإنه خزف باق وذهب الدنیا فان.. فکیف والآخرة ذهب باق والدنیا خزف فان » ؟!
وقال أيظا(ع):« أستنکف أن أطلب الدنیا من خالقها ، فکیف بطلبها من مخلوق مثلي ».
وإیاک وفضلات الأمور فإنها..........حرام علی نفس التقيّ إرتکابها
قال الإمام الصادق(ع):« الزهد مفتاح باب الآخرة والبراءة من النار، وهو تركك كل شئ يشغلك عن الله ، من غير تأسف على فوتها ولا إعجاب في تركها، ولا إنتظار فرج منها ولا طلب محمدة عليها ولا عوض منها، بل يرى فوتها راحة وكونها آفة ».
فتزهد ـ یا أبو تقوی ـ في الدنیا وانزع حبها من قلبک ، واعلم أنّ أدنی مراتب العلم بها ، هو العلم بحقارتها وکدورتها ، وأنّ الخیر کله عند الله سبحانه وتعالی ، فلا تلتمس الخیر إلا عنده ولا تطلبه من سواه . وآنظر إلى كليم الله موسى(ع) كيف كان غالب قوته نبت الأرض وأوراق الأشجار، وكان ضعف بدنه من كثرة رياضته ، بحيث ترى الخضرة من صفاق بطنه !
وتأمل في سيرة رسول الله(ص) وزهده في الدنيا، فإنه لبث في النبوة ما لبث، ولم يشبع هو وأهل بيته غدوة إلا جاعوا عشية، ولم يشبعوا عشية إلا جاعوا غدوة !!
عن أبي عبد الله(ع):« من تعلق قلبه بالدنیا ، تعلق منها بثلاث خصال: همّ لا یفنی ، وأمل لا یدرک ، ورجاء لا ینال ».
ختاما، إذا کنت ترید القدوم علی الله تعالى، یجب أن تخرج هموم الدنیا من قلبک.. فلا تفرح بشيء منها أتاک أبدا، ولا تحزن علی شيء منها فاتک أبدا، وتفکر في سرعة تقلبها، وعدم دوامها علی حال !!
قال الله تعالی:{ وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإنّ خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب } البقـرة ١٩٧
وصلى الله على رسوله وآل بيته الطاهرين الطيبين.