اللهم صل على محمد وال محمد --- aboutaqua@yahoo.it --- اللهم صل على محمد وال محمد
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الجهاد الاكبر: جهاد النفس. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الجهاد الاكبر: جهاد النفس. إظهار كافة الرسائل

الـمـقـدمـــــــــــــة

يقول العبد الفقير إلى رحمة ربه: أبوتقوى عبد المجيد المشري عفى الله عنه وعن والديه: هذه أبواب شتى جمعت فيها أبحاثا مختلفة كانت تختلج بخاطري الفاتر وتتردد على ذهني الكليل، وكنت أتمنى جمعها في كتيب أعود إليه عند الحاجة ، وربما يستفيد منها أيظا بعض إخواني المؤمنين في مطالعاتهم .
قال الله تعالى:{ أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها } الأنعام ١٢٢
وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):« قلب المؤمن عرش الرحمان ».قال أمير المؤمنين(ع):« إنّ الله عزوجل ركب في الملائكة عقلا بلا شهوة ، وركب في البهائم شهوة بلا عقل، وركب في بني آدم كلتيهما . فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة ، ومن غلبت شهوته عقله فهو شر من البهائم ».
قال الإمام الصادق(ع):« إنّ روح المؤمن لأشد إتصالا بروح الله، من إتصال شعاع الشمس بها ».على الإنسان أن ينتبه إلى أن له غاية وهدفا في الحياة يجب الإنطلاق والسعي إليه, وأنه في حالة سفر شاء أم أبى, ولا بد له من المسير..
إنّ للإنسان نشأتین: نشأة ملکیة ظاهریة دنیویة وهي البدن، ونشأة باطنیة غیبیة ملکوتیة وهي النفس.وللنفس ثلاث نشآت: نشأة الملک(الدنیا)، نشأة الملکوت(البرزخ)، ونشأة الجبروت(الآخرة).
إنّ قلب الإنسان، كمرآة لها وجهان: وجه ملتفت نحوعالم الغیب، ووجه ملتفت نحو عالم الشهادة ، فإذا توجه القلب نحو عالم الأنوا ر وتعمیر الآخرة ، فسیحصل له وئام مع الملکوت الأعلی، وتترقی روحه بالتدریج من نقص النورانیة، إلی کمال الروحانیة والنورانیة، وتتخلص من جمیع الکدورات والظلمات وتفاض علیها علوم رحمانیة وإلقاءات إلاهیة، ویکون نصیبها مشاهدة جمال الجمیل ویقع أجرها علی الله !
فالسالک إذا اشتغل بتهذیب باطنه وصقل سره وتطهیر روحه وتنزیه قلبه، تتجلی تدریجیا في مرآة قلبه أنوار غیبیة إلاهیة وتحصل له جذبات باطنیة فینجذب إلی عالم الغیب .
إنّ الإیمان نور إلاهي یجعل القلب موضع تجلیات الحق جل جلاله !
قال الصادق(ع):« القلوب ثلاثة: قلب منکوس لا یعي شیئا من الخیر وهو قلب الکافر، وقلب فیه نکتة سوداء فالخیر والشر فیه یعتلجان، فأیهما کانت منه غلب علیه، وقلب مفتوح فیه مصابیح تزهر ولا یطفأ نوره إلی یوم القیامة، وهو قلب المؤمن ».
قال الحق سبحانه:{ يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم } الأنفال ٢٩إنّ الغایة القصوی من القرآن والأحادیث هو إخراج هذه النفوس من عالم الطبیعة وتوجیه هذه الأرواح إلی عالم الغیب، وهذا لن یحصل إلا بتصفیة العقل وتزکیة النفس وتهذیب الباطن.
ومن أسرار العبادات الشاقة، تسخیر ملک الجسم للملکوت، حیث یصبح ذا عزم فیتغلب علی الطبیعة والملک ویصبح الجسم وقواه الباطنیة والظاهریة مثل ملائکة الله الذین لا یعصون الله ولا یعانوا عنتا ولا مشقة !
والعبادات الجسدیة الشرعیة، حین تتم بالآدات الظاهریة والباطنیة، تورث تهذیب الباطن، بل تزرع في الروح بذرالتوحید ، کما أنّ تهذیب الباطن یزید من قوة التعبد .
فتتقوی روح القدس بمرور الزمن وینشرح الصدر، ویُـقوّي نور العبادات البدنیة نور الملکات النفسیة وبالعکس: أي نور الملکات النفسیة، نور العبادات البدنیة، ویصیر نورا علی نور، والطاعة تجر الی الطاعة...!!
و« إذا أراد الله بعبده خیرا ، فتح عین قلبه » !

حب النفس والدنیا

قال الله تعالی:{ إعلموا أنما الحیاة الدنیا لعب ولهو وزینة وتفاخر بینکم وتکاثر في الأموال والأولاد کمثل غیث أعجب الکفار نباته ثم یهیج فتراه مصفرا ثم یکون حطاما وفي الآخرة عذاب شدید ومغفرة من الله ورضوان وما الحیاة الدینا إلا متاع الغرور} الحدید ٢٠
قال رسول الله(ص):« إنه ما سكن حب الدنيا قلب عبد، إلا إلتاط فيها بثلاث: شغل لا ينفد عناؤه ، وفقر لا يدرك غناه ، وأمل لا ينال منتهاه . ألا إنّ الدنيا والآخرة طالبتان ومطلوبتان: فطالب الآخرة تطلبه الدنيا حتى يستكمل رزقه ، وطالب الدنيا تطلبه الآخرة حتى يأخذ الموت بعنقه ، ألا وإنّ السعيد من إختار باقية يدوم نعيمها على فانية لا ينفد عذابها ، وقدّم لما يقدم عليه مما هو في يديه، قبل أن يخلفه لمن يسعد بإنفاقه ، وقد شقي هو بجمعه ».
قال الإمام الصادق(ع):« من أصبح وأمسی والدنیا أکبر همه، جعل الله الفقر بین عینیه وشتت أمره ، ولم ینل من الدنیا إلا ما قسم له ، ومن أصبح وأمسی والآخرة أکبر همه، جعل الله الغنی في قلبه ، وجمع له أمره ».
قال أمیر المؤمنین(ع):« إنما أخاف علیکم إثنتین: إتباع الهوی وطول الأمل، أمّا إتباع الهوی فإنه یصدّ عن الحق ، وأمّا طول الأمل فإنه ینسي الآخرة ».
الهوی هو: حب الشيء واشتهاءه.
قال الإمام الباقر(ع):« مثل الحریص علی الدنیا ، مثل دودة القز کلما ازدادت من القز علی نفسها لفا ، کان أبعد لها من الخروج حتی تموت غما ».
إنّ الخطوة الأولی نحو الله سبحانه وتعالی، تتمثل في الإنتصارعلی (حب النفس) و(حب الدنیا) وهو المقیاس الحقیقي في السفر إلی الله.
فإذا أخرج الإنسان من قلبه ( حب النفس والدنیا ) بالریاضات النفسیة ، فبالمقدار الذي یفرغ القلب من حب النفس وحب الدنیا، یمتلأ حبا لله عز إسمه !
جاء في حدیث قدسي:« وعزتي وجلالي وعظمتي وکبریائي ونوري وعلوي وارتفاع مکاني ، لایؤثر عبد هواه علی هواي ، إلا شتتّ علیه أمره ولبّست علیه دنیاه وشغلت قلبه بها ولم أوته منها إلا ما قدّرت له. وعزتي وجلالي وعظمتي ونوري وعلوي وارتفاع مکاني ، لا یؤثر عبد هواي علی هواه ، إلا استحفظته ملائکتي وکلفت السماوات والأرضین رزقه , وکنت له من وراء تجارة کل تاجر وأتته الدنیا وهي راغمة ».
قال النبي(ص):« من أصبح والدنيا أكبر همه فليس من الله في شئ، وألزم الله قلبه أربع خصال: هما لا ينقطع عنه أبدا، وشغلا لا يتفرغ منه أبدا، وفقرا لا ينال غناه أبدا، وأملا لا يبلغ منتهاه أبدا ».
قال رجل لأبي ذر(رض):« یا أبا ذر، ما لنا نکره الموت؟ قال: لأنکم عمرتم الدنیا وأخربتم الآخرة فتکرهون أن تنقلوا من عمران إلی خراب. فقال له: فکیف تری قدومنا علی الله؟ قال: أما المحسن منکم فکالغائب یقدم علی أهله، وأما المسيء منکم فکالآبق یُرَدّ علی مولاه. قال: فکیف تری حالنا عند الله؟ قال: أعرضوا أعمالکم علی الکتاب، إنّ الله یقول:" إنّ الأبرار لفي نعیم وإنّ الفجار لفي جحیم". فقال الرجل: فأین رحمة الله؟ قال: رحمة الله قریب من المحسنین ».
قال الصادق(ع):« مثل الدنیا کمثل ماء البحر، کلما شرب منه العطشان، إزداد عطشا حتی یقتله ».
قال لقمان لإبنه:« يا بني! إنّ الدنيا بحر عميق، وقد غرق فيها ناس كثير، فلتكن سفينتك فيها تقوى الله عز وجل، وحشوها الإيمان، وشراعها التوكل على الله ، لعلك ناج وما أراك ناجيا ».
وقال أحد الحكماء :« لا تخرج نفس إبن آدم من الدنيا إلا بحسرات ثلاث: أنه لم يشبع مما جمع ، ولم يدرك ما أمل ، ولم يحسن الزاد لما قدم عليه ».
قال أبي عبد الله(ع):« ما ذئبان ضاریان في غنم قد فارقها رُعاؤها، أحدهما في أولها والآخر في آخرها فأفسدا فیها، من حب المال والشرف في دین المسلم ».
إن حب الدنیا والنفس وحب المال والجاه والولد، واتباع الشهوات وارتکاب السیئات، والإنصیاع وراء عدو الله وهوی النفس والتوجه نحو شجرة الطبیعة الخبیثة، هو ستار وحجاب من أظخم وأغلظ الحجب التي تحجب الإنسان عن الوصول إلی الله سبحانه!
جاء في حدیث قدسي:« يا داود، إنك تزعم أنك تحبني، فإن كنت تحبني، فأخرج حب الدنيا من قلبك ، فإنّ حبي وحبها لا يجتمعان في قلب واحد ».
ولذلك، فقد زوى الله تعالى الدنيا على نبينا(ص)، فكان يطوي أياما، وكان يشد الحجر على بطنه من الجوع ..!
قال الإمام الصادق(ع):«.. ولا حجاب أظلم وأوحش بين العبد وبين الله تعالى، من النفس والهوى، وليس لقتلهما وقطعهما سلاح وآلة، مثل الإفتقار إلى الله، والخشوع والجوع والظمأ بالنهار والسهر بالليل».
کتب رجل إلی أبي ذر(رض):« یا أبا ذر، أطرفني بشيء من العلم. فکتب إلیه: إنّ العلم کثیر، ولکن إن قدرت أن لا تسيء إلی من تحبه فآفعل. فقال الرجل: وهل رأیت أحدا یسيء إلی من یحبه ؟ فقال له: نعم، نفسک أحب الأنفس إلیک، فإذا أنت عصیت الله ، فقد أسأت إلیها ».
قال سبحانه وتعالی:{ وما أوتيتم من شئ فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون ، أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقیه کمن متعناه متاع الحیاة الدنیا ثم هو یوم القیامة من المحضرین} القصص ٦١
قال الإمام علي(ع):« إنّ الدنیا والآخرة عدوان متفاوتان وسبیلان مختلفان ، فمن أحب الدنیا وتولاها أبغض الآخرة وعاداها. وهما بمنزلة المشرق والمغرب وماش بینهما، کلما قرب من واحد بعـُـد من الآخر، وهما بعـدُ ضرّتان ».
قال النبي(ص):« لكل أمة عجل ، وعجل هذه الأمة الدينار والدرهم». وقال أیظا(ص):« الدنیا مزرعة الاخرة » !
قال أمير المؤمنين(ع):« إنما الدنیا جیفة والمتوافدون علیها أشباه الکلاب ».
شبه بعض الحكماء حال الإنسان واغتراره بالدنيا، وغفلته عن الموت وما بعده من الأهوال، وآنهماكه في اللذات العاجلة الفانية الممتزجة بالكدورات: بشخص مدلى في بئر، مشدود وسطه بحبل، وفي أسفل ذلك البئر ثعبان عظيم متوجه إليه، منتظر سقوطه، فاتح فاه لإلتقامه، وفي أعلى ذلك البئر جرذان أبيض وأسود، لا يزالان يقرضان ذلك الحبل شيئا فشيئا، ولا يفتران عن قرضه آنا من الآنات، وذلك الشخص، مع أنه يرى ذلك الثعبان ويشاهد إنقراض الحبل آنا فآنا، قد أقبل على قليل عسل قد لطخ به جدار ذلك البئر وامتزج بترابه واجتمعت عليه زنابير كثيرة ، وهو مشغول بلطعه منهمك فيه ، ملتذ بما أصاب منه مخاصم لتلك الزنابير عليه، قد صرف باله بأجمعه إلى ذلك، غير ملتفت إلى ما فوقه وإلى ما تحته! فالبئر هو الدنيا، والحبل هو العمر، والثعبان الفاتح فاه هو الموت، والجرذان الليل والنهار القارضان للعمر، والعسل المختلطة بالتراب هو لذات الدنيا الممتزجة بالكدورات والآلام، والزنابير هم أبناء الدنيا المتزاحمون عليها.. فاعتبر يا مسكين !!
قال رسول الله(ص):« لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ، ما سقى كافرا منها شربة ماء ».
وقال أيظا(ص):« الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر».
ومر(ص) على مزبلة ، فوقف عليها وقال:« هلموا إلى الدنيا »، وأخذ خرقا قد بليت على تلك المزبلة وعظاما قد نخرت، فقال:« هذه الدنيا » !
قيل للإمام علي: صف لنا الدنيا، فقال(ع):« وما أصف لك من دار من صح فيها سقم ، ومن أمن فيها ندم ، ومن افتقر فيها حزن، ومن استغنى فيها افتتن، في حلالها الحساب، وفي حرامها العقاب ».
قال الإمام السجاد(ع):« إنّ الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإنّ الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا ».
من مفاسد حب الدنیا، أنه یقوي جانب الطبیعة في الإنسان بحیث یجعلها تعصي الروح وتتمرد علیها، بینما من أسرار العبادات والطاعات ، أنه یقوي الجانب الروحي والتوجه إلی عالم الملکوت.. عالم الطهر والصفاء !
روي أنّ عيسى(عليه السلام) كوشف بالدنيا ، فرآها في صورة عجوز شمطاء هتماء عليها من كل زينة ، فقال لها:« كم تزوجتي؟ قالت: لا أحصيهم ، قال: فكلهم مات عنك أو كلهم طلقك ؟ قالت: بل كلهم قتلت ، فقال عيسى(ع): بؤسا لأزواجك الباقين ، كيف لا يعتبرون بالماضين ؟! كيف تهلكينهم واحدا واحدا ، ولا يكونون منك على حذر» ؟!
قال الله تعالی:{ أیحسبون أنما نمدهم به من مال وبنین نسارع لهم في الخیرات بل لا یشعرون } المؤمنون ٥٦
وقال عز من قائل:{ فلما نسوا ما ذکـّـروا به فتحنا علیهم أبواب کل شيء حتی إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون } الأنعام ٤٤
صدق الله العليّ العظيم وصلى الله على رسوله وآله الطيبين الطاهرين.

الخوف والرجاء

قال الله تعالی:{ قل یا عبادي الذین أسرفوا علی أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إنّ الله یغفر الذنوب جمیعا إنه هو الغفورالرحیم } الزمر٥٣
قال رسول الله(ص):« من خاف الله أخاف الله منه كل شئ ، ومن لم يخف الله ، أخافه الله من كل شئ ».
قال الإمام الصادق(ع):« خف الله کأنک تراه ، وإن کنت لا تراه فإنه یراک ، وإن کـنت تری أنه لا یراک فقـد کفرت ، وإن کنت تعلم أنه یراک ثم بارزته بالمعصیة ، فقد جعلته أهون الناظـرین إلیک ».
إنّ الخوف والرجاء محمودان، لكونهما باعثين على العمل ودوائین يداوى بهما أمراض القلوب، ففضل كل منها إنما هو بحسب ما يترتب عليه من فائدة العمل ومعالجة المرض.
وهذا يختلف باختلاف الأشخاص: فمن كان تأثير الخوف في بعثه على العمل أكثر من تأثير الرجاء فيه، فالخوف له أصلح من الرجاء، ومن كان بالعكس فبالعكس .
قال أمیر المؤمنین(ع):« أما والله لقد عهدت أقواما على عهد خليلي رسول الله(ص)، وإنهم ليصبحون ويمسون شعثا غبرا خمصا، بين أعينهم كركب المعزی، يبيتون لربهم سجدا وقياما يراوحون بين أقدامهم وجباههم، يناجون ربهم في فكاك رقابهم من النار، والله لقد رأيتهم مع هذا وهم خائفون مشفقون.. وكأن زفير النار في آذانهم، إذا ذكر الله عندهم مادوا كما تميد الشجر كأنما القوم باتوا غافلين ».
قال النبي(ص):« قال الله تعالى: وعزتي وجلالي لا أجمع على عبدي خوفين، ولا أجمع له أمنين، فإذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة، وإذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة ».
روي عن أبي ذر(رحمه الله)، أنه بكى من خشية الله حتى إشتكى بصره، فقيل له: لو دعوت الله يشفي بصرك ؟! فقال:« إني عن ذلك مشغول، وما هو أكبر همي. قالوا: وما شغلك عنه ؟! قال: العظيمتان، الجنة والنار».
قال الصادق(ع): المؤمن بین مخافتین: ذنب قد مضی لا یدري ما صنع الله فیه ، وعمر قد بقي لا یدري ما یکتسب فیه من المهالک، فهو لا یصبح إلا خائفا ولا یصلحه إلا الخوف ».
الخوف درجات:
خوف العامة: الخوف من العقاب والعذاب والحرمان من الثواب। وهذا الخوف وهذه العبادة لیست جیدة ، إذ هي عبادة العبید والأجراء .

خوف الخاصة: الخوف من العتاب. لتعلقهم وطلبهم للذات المعنویة وقرب المنزلة والمقام.. وهذا الخوف وهذه العبادة لیست خالصة لله أیظا.
{ ألا لله الدین الخالص }.
خوف أخصّ الخواص: الخوف من الإحتجاب. هم لا یتوجهون إلی العطیة ، فالتـّوق إلی الحضور ولذته قطعهم عن الدارین، وبقایا النفسانیة والأنانیة موجودة ویتوقون أن یحصل لهم المشاهدة والحضور.. فلا یمکن أن ننسب إلیهم محبة الله والخلوص الحقیقي .
خوف الأولیاء: وهم طاهرون مطهرون من صبغة الإنیة والأنانیة ، ومصبوغون بصبغة الله.
{ ومن أحسن من الله صبغة }.
قال الله تعالی:{ لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون} الحشــر٢١
قال رسول الله(ص):« سبعة يظلهم الله عز وجل في ظله يوم لا ظل إلا ظله:.. ورجل ذكر الله عز وجل خاليا ، ففاضت عيناه من خشية الله عز وجل ».
قال الإمام الصادق(ع):« ما من شئ إلا وله كيل أو وزن إلا الدموع، فإنّ القطرة تطفئ بحارا من نار، وإذا إغرورقت العين بمائها، لا يرهق وجهه قتر ولا ذلة ، فإذا فاضت، حرمه الله على النار، ولو أن باكيا بكى في أمة ، لرحموا ».
قال النبي( ص):« كل عين باكية يوم القيامة إلا ثلاثة أعين ، عين بكت من خشية الله ، وعين غضت عن محارم الله ، وعين باتت ساهرة في سبيل الله ».
وقال أیظا(ص) في وصیته لعلي(ع):« يا علي، أربع خصال من الشقاء: جمود العين ، وقساوة القلب ، وبعد الأمل ، وحب البقاء ».
إلاهي، حق لمن عرفک أن لا ینقطع رجاءه منک !!
عش ـ یا أبوتقوی ـ بین الخوف والرجاء کأنک بین الجنة والنار، وانظر إلی نفسک بأنـّک في منتهی التقصیر، والحق تعالی في منتهی الجلال والعظمة !
جاء في حديث قدسي:« يا عيسى، هب لي من عينيك الدموع ومن قلبك الخشوع، واكحل عينيك بميل الحزن إذا ضحك البطالون، وقم على قبور الأموات فنادهم بالصوت الرفيع لعلك تأخذ موعظتك منهم، وقل إني لاحق بهم في اللاحقين ».
قال الإمام الصادق(ع):« إنّ الرجل ليكون بينه وبين الجنة أكثر مما بين الثرى إلى العرش لكثرة ذنوبه ، فما هو إلا أن يبكي من خشية الله عز وجل ندما عليها ، حتى يصير بينه وبينها أقرب من جفنه إلى مقلته ».
قال رسول الله(ص):« إذا أحب الله تعالى عبدا ، نصب في قلبه نائحة من الحزن ، فإنّ الله تعالى يحب كل قلب حزين، وإنه لا يدخل النار من بكى من خشية الله حتى يعود اللبن إلى الضرع، وإنه لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في منخري مؤمن أبدا، وإذا أبغض عبدا جعل في قلبه مزمارا من الضحك، وإنّ الضحك يميت القلب، والله لا يحب الفرحين ».
ومر الإمام الحسن(ع) بشاب يضحك فقال:« هل مررت على الصراط ؟ قال: لا، قال: وهل تدري إلى الجنة تصير أم إلى النار؟ قال: لا، قال: فما هذا الضحك » ؟ قیل: فما روي هذا الضاحك بعد ضاحكا.
إنّ مما یبعث علی تقویة الخوف من الحق تعالی ، هو التفکر في العذاب والعقاب وشدة أهوال الموت، وظلمة القبر ووحدته وعذابه، والصراط والمیزان والوقوف للحساب..
فيصور العبد في نفسه، جهنم ودركها ومقامها وأهوالها وأنواع العذاب فيها، وقبح صورة الزبانية، وأنه كلما نضجت جلودهم بدلوا جلودا غيرها، وأنهم كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها، وإذا رأوها من مكان بعيد سمعوا لها تغيضا وزفيرا..
وإذا أراد أن ينظر إلى الرجاء، فلينظر إلى الجنة ونعيمها، وما أعد الله تعالى فيها من الملك الدائم والنعيم والحور واللذات.. الخ
جاء في حديث قدسي:«.. ألا فلا یتکل العاملون علی أعمالهم وإن حسنت، ولا ییأس المذنبون من مغفرتي لذنوبهم وإن کثرت، ولکن برحمتي فلیثـقوا ولفضلي فلیرجوا، وإلی حسن نظري فلیطمئنوا، وذلک أني أدبـّر عبادي بما یصلحهم، وأنا بهم لطیف خبیر».
ومن دعاء الإمام السجاد(ع):« أدعوک راهبا راغبا راجیا خائفا، إذا رأیت مولاي ذنوبي فزعت، وإذا رأیت کرمک طمعت، فإن عفوت فخیر راحم، وإن عذبت فغیر ظالم ».
علیک یا أبوتقوی، بالحزن الدائم: إمّا من خوف العذاب إن کنت من الصالحین، وإمّا من شدة الشوق إن کنت من المحبین !
إلاهي بکت للخوف منک عصابة..........وما کل من یبکي لدیک له ذنب
ولکنهم للقرب منک تراهـُـــــــــمُ..........مدامعهم تجري فیا حبذا القـرب
سئل الصادق(ع) عما کان في وصیة لقمان، فقال:« کان فیها الأعاجیب، وکان أعجب ما کان فیها أن قال لإبنه: خف الله عز وجل خیفة لو جئته ببرّ الثقلین لعذبک، وارج الله رجاء لو جئته بذنوب الثقلین لرحمک. ثم قال(ع): کان أبي یقول: أنه لیس من عبد مؤمن إلا وفي قلبه نوران: نور خیفة ونور رجاء، لو وزن هذا لم یزد علی هذا، ولو وزن هذا لم یزد علی هذا ».
ورأی یحیی(ع) یوما النبي عیسی(ع) یضحک فعاتبه قائلا:« أتأمن مکر الله؟ قال عیسی(ع): أأنت آیس من رحمة الله وفضله ؟ فأوحی الله إلیهما: من کان یحسن الظن بي أکثر، فهو محبوب عندي أکثر».
قال سبحانه وتعالی:{ ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون } الحجــر٥٦
إنّ مبدأ القنوط من الرحمة ، هو سوء الظن بالذات المقدسة.
ومبدأ حصول الرجاء ، هو حسن الظن بالله تعالی.
علی المؤمن أن یعوّد نفسه علی حسن ظنه بربه في کل أموره، والله عند حسن ظن عبده به.
قال الصادق(ع):« أرج الله رجاء لا يجرؤك على معصيته ، وخف الله خوفا لا يؤيسك من رحمته ».
قال رسول الله(ص):« ما يقطر في الأرض قطرة ، أحب إلى الله من قطرة دمع في سواد الليل من خشيته ، لا يراه أحد إلا الله عز وجل ».
قال الله تعالی:{ ولا تیأسوا من روح الله إنه لا ییأس من روح الله إلا القوم الکافرون } یوسف ٨٧
صدق الله العلي العظيم والحمد لله رب العالمین.

الـتــــــــوبـــة

قال الله تعالی:{ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم } الأنعام ٥٤
قال رسول الله(ص):« أتدرون من التائب ؟ فقالوا: اللهم لا، قال: إذا تاب العبد ولم يرض الخصماء فليس بتائب، ومن تاب ولم يغير مجلسه وطعامه فليس بتائب، ومن تاب ولم يغير رفقاءه فليس بتائب، ومن تاب ولم يزد في العبادة فليس بتائب، ومن تاب ولم يغير لباسه فليس بتائب، ومن تاب ولم يغير فراشه ووسادته فليس بتائب، ومن تاب ولم يفتح قلبه ولم يوسع كفه فليس بتائب، ومن تاب ولم يقصر أمله ولم يحفظ لسانه فليس بتائب، ومن تاب ولم يقدم فضل قوته من يديه فليس بتائب، وإذا استقام على هذه الخصال فذاك التائب ».
قال الإمام الصادق(ع):« ما من عبد إلا وفي قلبه نقطة بیضاء ، فإذا أذنب ذنبا خرج في النقطة نقطة سوداء ، فإن تاب ذهب ذلک السواد، وإن تمادی في الذنوب زاد ذلک السواد حتی یغطي البیاض، فإذا تغطی البیاض لم یرجع صاحبه إلی خیر أبدا ».
إنّ التوبة هي القدم الأولی في طریق السالک إلی الله ، والتوبة علی أربعة معاني: أحدها الندم على الماضي من قول أو فعل، والثاني ترك المعاصي في الحال، والثالث العزم على تركها في الإستقبال، والرابع تدارک ما أمکن تدارکه.
علیک ـ یا أبوتقوی ـ أن تحرق قلبک في نار الندامة ، حتی تحترق مع الندامة جمیع الذنوب والمعاصي وصداها !
قال أمیر المؤمنین(ع)، حين قال رجل بحضرته:" أستغفر الله "، قال:« ثکلتک أمّک أتدري ما الإستغفار؟ إنّ الإستغفار درجة العلیین، وهو إسم واقع علی ستة معان: أولها الندم علی ما مضی. الثاني العزم علی ترک العود إلیه أبدا. الثالث أن تؤدي إلی المخلوقین حقوقهم حتی تلقی الله عز وجل أملس لیس علیک تبعة. الرابع أن تعمد إلی کل فریضة علیک ضیعتها فتؤدي حقها. والخامس أن تعمد إلی اللحم الذي نبت علی السحت، فتذیبه بالأحزان حتی تـلصق الجلد بالعظم وینشأ بینهما لحم جدید. والسادس أن تذیق الجسم ألم الطاعة کما أذقته حلاوة المعصیة. فعند ذلک تقول أستغفر الله ».
قال الإمام الباقر(ع):« الذنوب كلها شديدة ، وأشدها ما نبت عليه اللحم والدم ».
لذلک قیل: علیک أن تذیب اللحم الذي نبت من حرام، لأنه فاسد بنفسه ومفسد للـحم السلیم أیظا !
یجب أن تندم علی تلک المعاصي والذنوب، وتعزم علی عدم العودة إلیها نهائیا، ولا تنسی بأنک قد خنت الصداقة (مع الله).
نعم ! إنه فرق شاسع بین صدیق یکون مخلصا معک طول العمر.. وآخر یخونک ثم یعتذر عن خطئه وتقصیره.. !
فما بالک لو عاد للإعتذار ثانیة وثالثة.. یا للحیاء !!
قال سبحانه وتعالى:{ يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسی ربکم أن یکفر عنکم سیئاتکم } التحریم ٨
ومعنى التوبة النصوح: هو التوبة الخالصة لله والخالية من شوائب الأغراض، من مال أو جاه أو خوف.. إنّ الندم من الذنوب خوفا من النارأو طمعا في الجنة.. لیست توبة صحیحة !
قال الصادق(ع):« إذا تاب العبد توبة نصوحا، أحبّه الله فستر علیه في الدنیا والآخرة. فسئل: وکیف یستر علیه؟ قال: ینسي ملکیه ما کتبا علیه من الذنوب، ثم یوحي إلی جوارحه: أکتمي علیه ذنوبه، ویوحي إلی بقاع الأرض: أکتمي ما کان یعمل علیک من الذنوب، فیلقی الله حین یلقاه ولیس شيء یشهد علیه بشيء من الذنوب ».
حذارـ یا أبوتقوی ـ من التسویف في التوبة، فإذا ما وقعت ـ لا سمح الله ـ في معصیة، وجب علیک المعالجة بشکل عاجل. مثل مریض لسعته حیة.. ماذا کنت تفعل له ؟ فإنک ستحمله مباشرة إلی المستشفی..
لأن إصلاح الفساد القلیل حینها، یتم بسرعة وبکیفیة أحسن !
قال الله تعالى:{ والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون } آل عمران ١٣٥
إنّ من ترک المبادرة إلی التوبة بالتسویف، کان بین خطرین عظیمین: أحدهما أن تتراکم الظلمة علی قلبه من المعاصي حتى يصير دينا وطبعا فلا يقبل المحو، إذ كل شهوة ومعصية تصدر من الإنسان، ترتفع منها ظلمة إلى قلبه. فإذا تراكمت علیه ظلمة الشهوات والمعاصي، صارت رينا، كما قال تعالى:{ كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون }.
والخطرالثاني, هو الخوف من أن يعالجه المرض أو الموت فلا يجد مهلة للتوبة.
لذا لا بد من الإسراع بالتوبة والسعي إلی محو آثار تلک المعاصي التي إنطبعت في جوهر النفس بنور الطاعات !
قال المصطفى(ص):« التائب إذا لم يستبن عليه أثر التوبة فليس بتائب، يرضي الخصماء، ويعيد الصلوات، ويتواضع بين الخلق، ويتقي نفسه عن الشهوات، ويهزل رقبته بصيام النهار، ويصفر لونه بقيام الليل، ويخمص بطنه بقلة الأكل، ويقوس ظهره من مخافة النار، ويذيب عظامه شوقا إلى الجنة، ويرق قلبه من هول ملك الموت، ويجفف جلده على بدنه بتفكر الآخرة، فهذا أثر التوبة، وإذا رأيتم العبد على هذه الصفة ، فهو تائب ناصح لنفسه ».
إنا نجد بعض الأمراض المستحکمة في الإنسان، عندما یتناول المریض شیئا من الدواء، فإنه سیستعید صحته نسبیا ولکن بقایا المرض وجذورها ما زالت کامنة في بدنه، فإن طرأ علیه عارض غیر ملائم، عاوده المرض مجددا .
ومثل هذا الإنسان لا یُـطمئن إلی صحة مزاجه ، فینبغي علیه أن یداوم علی تناول الأدویة والمسهلات والمنضجات.. حتی یقضي علی آثار المرض تماما .
سأل نبي من بني إسرائیل، من الله، أن یقبل توبة عبد کان قد قضی عمرا في الجدّ والإجتهاد في العبادة ، فجاءه الخطاب:" وعزتي لو أنّ أهل السماوات والأرض تشفعوا له، ما قبلت شفاعتهم. کیف وما زال في قلبه حلاوة الذنب الذي تاب منه " ؟!
قال الله سبحانه:{ إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما ، وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن } النساء ١٨
إعلم ـ یا أبوتقوی ـ أنّ من شروط التوبة إلى الله ، هو الخروج إلى المظلومين من حقوقهم بأدائها إليهم أو باستحلالهم منها عن طيب نفس.. فعلیک أن تجیل الفکر من حین البلوغ ـ بل من قبل البلوغ ـ وتتذکر أحوالک في سالف الزمان فتنظر ماذا فعلت ؟!
فتقضي ما ترکت من الطاعات وتأتي بما في ذمتک من الکفارات وترد مظالم الناس، قبل أن يحكم أحكم الحاكمين وأعدل العادلين في محكمة القيامة ، فيقتص من كل ظالم بأخذ حسناته ووضعها في موازين أرباب المظالم ، فإن لم تف بها حسناته حمل من سيئات أرباب المظالم ، فيهلك المسكين بسيئات غيره .
قال الإمام الباقر(ع):« الظلم ثلاثة: ظلم يغفره الله وظلم لا يغفره الله وظلم لا يدعه الله . فأما الظلم الذي لا يغفره فالشرك، وأما الظلم الذي يغفره ظلم الرجل نفسه فيما بينه وبين الله، وأما الظلم الذي لا يدعه فالمداينة بين العباد ».
قال رسول الله(ص):« العبد إذا ردّ درهما إلى الخصماء، أكرمه الله كرامة سبعين شهيدا. فإنّ درهما يرده العبد إلى الخصماء خير له من صيام النهار وقيام الليل، ومن ردّ درهما ناداه ملك من تحت العرش: إستأنف العمل، فقد غفر لك ما تقدم من ذنبك ».
قال علي(عليه السلام):« ما أقبح بالرجل منكم أن يأتي بعض هذه الفواحش ثم يفضح نفسه على رؤس الملأ، أفلا تاب في بيته، فوالله لتوبته فيما بينه وبين الله ، أفضل من إقامتي عليه الحد ».
إعلم أنّ الله یقبل التوبة الصحیحة، التوبة الصادقة النصوح، بشرط أن تغسل بدموع عیونک أدران المعاصي من القلب بعد أن تؤجج فیه نار الندم !
فإذا علمت ذلک، وجب علیک الإنصراف فورا عن طریق البعد للوصول إلی القرب.. لأنّ متناول السم ـ کما قلنا ـ إذا ابتغی صحة بدنه، وجب علیه فورا البحث عن وسیلة لإخراج السم من بدنه، ولو تهاون أو تساهل ، لهلک !
کذلک في سموم المعاصي، فلو تهاون في التوبة فلعل الموت یفاجأه دفعة فيغلق عليه باب التوبة ، فيغرغر بروحه ، وتتردد أنفاسه في شراسيفه، ويُـجرّع غصة اليأس عن التدارك وحسرة الندامة على تضييع العمر، فيضطرب أصل إيمانه في صدمات تلك الأهوال ،
وینتهي المسکین إلی نار جهنم وبئس المصیر!
قال الله تعالی:{ فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإنّ الله يتوب عليه إنّ الله غفور رحيم } المائدة ٣٩
قال النبي(ص):« من مات غير تائب ، زفرت جهنم في وجهه ثلاث زفرات: فأولها لا تبقى دمعة إلا جرت من عينيه ، والزفرة الثانية لا يبقى دم إلا خرج من منخريه ، والزفرة الثالثة لا يبقى قيح إلا خرج من فمه ، فرحم الله من تاب ثم أرضى الخصماء ، فمن فعل فأنا كفيله بالجنة ».
من المستحسن في التوبة أن یأتي بطاعة هي من جنس المعصیة ، مثاله أنّ السفر للمعصیة یجبر بسفر طاعة، أو إذا سهرت لیلة في المعصیة ، فتدارکها بلیلة في الطاعة.. وهکذا.
وأن تصلي عقب الذنب ركعتين، ثم تستغفر الله تعالى بعدهما سبعين مرة ، وتقول: " سبحان الله والحمد لله ولا إلاه إلا الله والله أكبر" مائة مرة ، ثم تتصدق بصدقة ، ثم تصوم يوما..
یجب أن تشدد علی نفسک !
سئل أمير المؤمنين(ع) عن دواء القلوب، فقال:« علیک بورق الفقر، وعروق الصبر، وهلیلج الکتمان، وبلیلج الرضا، وغارقون الفکر، وسقمونیا الأحزان، واشربه بماء الأجفان، وأغله في طنجیر القلق، ودعه تحت نیران الفراق، ثم صفـّه بمنخل الأرق، واشربه علی الحرق، فذلک دواک وشفاک یا علیل ».
ومن دعاء الإمام السجاد(ع):« اللهم فكما أمرت بالتوبة وضمنت القبول، وحثثت على الدعاء، ووعدت الإجابة، فصل على محمد وآله، واقبل توبتي، ولا ترجعني مرجع الخيبة من رحمتك، إنك أنت التواب على المذنبين، والرحيم للخاطئين المنيبين.. »
قال سبحانه وتعالی:{ وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون } الشورى ٢٥
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظیم.

الـعــــــــــــلم

قال الله تعالی:{ شهد الله أنه لا إلاه إلا هو والملائکة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم } آل عمران ١٨
قال رسول الله(ص):« من سلک طریقا یطلب فیه علما ، سلک الله به طریقا إلی الجنة ، وإنّ الملائکة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا به. وإنه لیستغفر لطالب العلم من في السماء ومن في الأرض حتی الحوت في البحر. وفضل العالم علی العابد ، کفضل القمرعلی سائر النجوم لیلة البدر. وإنّ العلماء ورثة الأنـبیاء . وإنّ الأنبیاء لم یورثـوا دینارا ولا درهما ، ولکن ورثوا العلم ، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر».
إنّ طالب العلم ـ هذا الملکيّ الذي تحول إلی وجود ملکوتي ـ إذا انفتحت عین بصیرته الملکوتیة، رأی بأنّه یطوي المسافات بفضل تأییداتهم وأنه مستقر علی أجنحتهم !
العلم ثلاث:
علم یقوي العقل والجانب الروحاني: وهوالعلم بالذات المقدسة والملائکة والوحي والآخرة والجنة والنار والحساب..الخ
علم یرتبط بترویض القلب وتربیته: وهو العلم بمحاسن الأخلاق وبکیفیة تحصیلها، کالصبر والحلم والحیاء والکرم والعفة.. والعلم بمساويء الأخلاق وبکیفیة التنزه عنها، کالحسد والغیبة والکذب والرياء..
علم یرتبط بتربیة الظاهر وترویضه: وهو علم الفقه ومبادئه وآداب المعاشرة وسیاسة البلاد والحدود والتعزیرات..الخ وبصورة مختصرة ، ممکن تقسیم العلم إلی ثلاث أقسام: علم الآخرة ، وعلم البرزخ ، وعلم الدنیا .
قال الله سبحانه:{ وما یعلم تأویله إلا الله والراسخون في العلم یقولون آمنا به کل من عند ربنا وما یذکـّر إلا أولوا الألباب }
آل عمران ٧
قال النبي(ص):« طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة ، ألا إنّ الله تعالى يحب بغاة العلم ».
وقال أمير المؤمنين(ع):« كل وعاء يضيق بما جعل فيه ، إلا وعاء العلم فإنه يتسع ».
إعلم یرحمک الله ، أنه إذا کان للنفس توجه وارتباط بالملکوت الأعلی وعالم الملائکة ، فإنه بإذن الله تعالی یضاف علیها من العلوم والمعارف الحقیقیة ، وبالعکس: إذا کان توجهها وارتباطها بعالم الطبیعة أکثر، فإنها لا تنال إلا من ذلک المعدن.. علوم الشیطنة والفساد !
{ إتقوا الله ویعلمکم الله }.
قال سيد الرسل(ص):«.. وإياكم أن تطلبوه لخصال أربع: لتباهوا به العلماء، أو تماروا به السفهاء، أو تراؤا به في المجالس، أو تصرفوا به وجوه الناس إليكم للترؤس..».
یجب أن تکون نیـتك خالصة لله وحده، ومقصودک في طلب العلم، هو طلب الحق والفحص عن المحبوب المطلق . فالغایة والهدف یجب أن یکونا خالصین من کل الشوائب، لأنه إن لم یکن کذلک، کان ذلک العلم حجابا !
قال النبي(ص):« فقيه واحد، أشد على الشيطان من ألف عابد ».
قال الله تعالی:{ إنما يخشى الله َ من عباده العلماءُ }.
قال الشاعر:
تعلم فإنّ العلم زين لأهله.........وفضل وعنوان لكل المحامـــــد
تفقه فإنّ الفقه أفضل قائد.........إلى البر والتقوى وأعدل قاصــد
فإنّ فقيها واحدا متورعا..........أشد على الشيطان من ألف عابد
قیل: بأنّ الشیطان تعرض لأحد العلماء في آخر لحظة من عمره فقال: لقد نجوت من کیدي . فأجاب العالم: کلا لم أنج بعد !
قال الله عز وجل:{ فلولا نفر من کل فرقة منهم طائفة لیتفقهوا في الدین ولینذروا قومهم إذا رجعوا إلیهم لعلهم یحذرون }
التوبة ١٢٢
قال المصطفى(ص):« من جاءه الموت وهو یطلب العلم لیـُحیي به الإسلام کان بینه وبین الأنبیاء درجة واحدة في الجنة ».
وقال أيظا(ص):« من يرد الله به خيرا ، يفقهه في الدين».
إعلم یرحمک الله، أنّ العلم والإدراک هو حظ العقل، وأما الإیمان فهو حظ القلب، والعلم بالله ما دام في حدّ العقل فهو نور، ولکن ما لم یصل إلی أعماق قلوبنا القاسیة فتتأثر وتؤمن به، فلسنا بمؤمنین.
الإنسان لا یکون مؤمنا لمجرد علمه بوجود الله والملائکة والجنة والنار.. الشیطان کان یعلم کل ذلک ولکنه کافر.
" لیس العلم بکثرة التعلیم، بل هو نور یقذفه الله في قلب من یشاء ".
نحن نعلم مثلا بالبرهان والإدراک العقلي، أنّ الأموات لا یضرون الإنسان، ولکن رغم ذلک ففي اللیالي المظلمة نخاف من الأموات، لماذا ؟ لأنّ قلوبنا لم تؤمن بتلک الحقیقة العقلیة ولم یصل الإدراک العقلي إلیها .
ولکن الذین أوصلوا هذا المطلب العلمي إلی القلب بتکرار العمل وکثرة الإقدام في اللیالي المظلمة علی زیارة القبور، لا یخافون الأموات ، بل یستأنسون بهذا المکان الهادیء !
قال الله تعالی:{ قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب } الزمر٩
قال النبي(ص):« إنّ الحكمة ضالة المؤمن يلتقطها أنى وجدها لا يبالي من أي وعاء خرجت ».
ويقول أمیر المؤمنین(ع):« من علمني حرفا ، كنت له عبدا ».
إعلم ـ یا أبوتقوی ـ أنّ العالم الماهر هو الذي یستطیع أن یمکـّن مقاصده من النفوس بالتبشیر والتنذیر والموعظة والنصیحة، فتـلین تلک النفوس القاسیة المتمردة .
فعلی المبلغ في هدایة الخلق،( فتح) شهیتهم لتقبل الهدي الإلاهي، وإقناعهم بضرورة الإصغاء، فما فائدة تقدیم الطعام لمن لا یرغب فیه ؟
علیه أن یکون طبیبا معالجا حاذقا بإبراز الداء والدواء ، لا فقط یعطي الوصفة لکیفیة إرائة الداء !
قال الشاعر:
العلم زين والسكوت سلامـــة..........فإذا نطقت فلا تكن مكثــــارا
ما إن ندمت على سكوت مرة.........ولقد ندمت على الكلام مرارا
من علامات العالم أن یکون حزینا صامتا مطأطأ الرأس، تظهر علیه آثار الخوف والخشیة والخضوع والخشوع، إذا رآه الرّائي تذکر الله تعالی .
العلم الخالص والحقیقي هو الذي یهجم عنه في قلب السالک الحزن والهم والإنکسار والکآبة والسهر، لأنّ نور العلم یبعث علی الخشیة والحزن والخوف من یوم القیامة.
لأنه إن کان قلبک فرحا مسرورا، لم تنل شیئا من المعارف !
وکل هذه النتائج تـنیر القلب وتـُجلیه من الصدأ وتکون بدایة لإصلاح النفس إنشاء الله .
قال رسول الله(ص):« کلما عمل السالک إلی الله بما علـمه الله من العلم ، أورثه ذلک علم ما لم یعلم ».
وقال أیظا(ص):« من أخلص للحق فيما يقول ويفعل ، علمه الله بلا تعلم ».
قال الإمام علي(ع):« العلم علمان: مطبوع ومسموع ، ولا ينفع المسموع إذا لم يكن المطبوع ».
قال الإمام الکاظم(ع):« وأحمد العلم عاقبة ، ما زاد في علمک العاجل. فلا تشتغلن بعلم ما لا یضرک جهله ، ولا تغفلن عن علم ما یزید في جهلک ترکه ».
إنّ العلم الذي لا یوجد فیه ضرر ولا نفع، والذي یهدر الإنسان علیه وقته للتسلي والتلهي، ترکه یکون أفضل. لأنه مع هذا العمر القصیر والوقت القلیل, لا یستطیع الإنسان أن یکون جامعا لکل العلوم وحائزا علی جمیع الفضائل . فلیختر ما یکون أنفع في الدنیا والآخرة بما یناسب حاله !
قال النبي(ص):« من أخلص لله أربعین صباحا ، جرت ینابیع الحکمة من قلبه علی لسانه ».
إعلم بأنه لا یمکن إفشاء کل علم لکل أحد، لا سیما في باب المعارف، بل إنّ أسرار التوحید وحقائقه ، هي أسرارلا بد أن تکون مکتومة ومخزونة علی غیر أهلها .
فإذا ما ألقي إلیک بعض الأسرار فآکتمها.. تلک هي السنـّة التي من ربک . " إنّ صدور الأحرار، قبور الأسرار" !!
قال الإمام السجاد(ع):« إیاک أن تتکلم بما یسبق إلی القلوب إنکاره.. ».
قال الشاعر:
إني لأکتم من العلم جواهــــره..........کي لا یری العلم ذو جهل فیفتتنا
وقد تقدم في هذا أبو حســــــن..........إلی الحسین وأوصی قبله الحسنا
یا رُبّ جوهر علم لو أبوح بـه..........لقیل لي أنت ممن یعبد الوثنــــــا
ولآستحلّ رجال مسلمون دمي..........یرون أقبح ما یأتونه حسـنــــــــا
سئل الصادق(ع) عن علم الله فقال:« لم یزل الله عز وجل ربنا والعلم ذاته ولا معلوم، والسمع ذاته ولا مسموع والبصر ذاته ولا مبصر والقدرة ذاته ولا مقدور، فلما أحدث الأشیاء وکان المعلوم وقع العلم منه علی المعلوم والسمع علی المسموع والبصر علی المبصر والقدرة علی المقدور. قال السائل: فلم یزل الله متحرکا؟ قال(ع): تعالی الله عن ذلک، إنّ الحرکة صفة محدثة بالفعل. قلت: فلم یزل الله متکلما ؟ قال: إنّ الکلام صفة محدثة لیست بأزلیة، کان الله عز وجل ولا متکـلم ».
إنّ علم الله تعالی هو عین ذاته لا زائدا عن ذاته، وعلمه سبحانه بمخلوقاته في الأزل قبل إیجادها، کعلمه بها بعد إيجادها.
قال رسول الله(ص):« يؤتى بالعالم يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتابه فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى، فيطيف به أهل النار، فيقولون: ما لك ؟ فيقول: كنت آمر بالخير ولا آتيه وأنهى عن الشر وآتيه ».
وقال أيظا(ص):« إنّ أهل النار ليتأذون من ريح العالم التارك لعلمه، وإنّ أشد أهل النار ندامة وحسرة ، رجل دعا عبدا إلى الله فاستجاب له وقبل منه ، فأطاع الله فأدخله الله الجنة ، وأدخل الداعي النار بتركه علمه واتباعه الهوى وطول الأمل ».
وقال الصادق(عليه السلام):« يغفر للجاهل سبعون ذنبا ، قبل أن يغفر للعالم ذنب واحد ».
قال الله تعالی:{ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبیر} المجادلة ١١
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظیم.

الـنـيــــــــــــة

قال الله عز وجل:{ إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولائك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما } النساء ١٤٦
قال سيّد الرسل(ص):« إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل إمرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو إمرأة يتزوجها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه ».
وقال أيظا(ص):« إذا إلتقا المسلمان بسيفيهما ، فالقاتل والمقتول في النار. قيل: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: لأنه أراد قتل صاحبه ».
قال أمير المؤمين(ع):« مسحة من المعرفة خیر من کثیر من العمل وما هما إلا کالنیة والعمل ، والفضل للنیة.. وکالروح والجسد ، والفضل للروح ».
قال الإمام الصادق(ع):« إنما خلد أهل النار في النار لأنّ نياتهم كانت في الدنيا أن لو خلدوا فيها أن يعصوا الله أبدا، وإنما خلد أهل الجنة في الجنة لأنّ نياتهم في الدنيا أن لو بقوا فيها أن يطيعوا الله أبدا فيها. خلد هؤلاء وهؤلاء ، ثم تلا قوله تعالى:" كل يعمل على شاكلته " قال(عليه السلام): على نيته ».
إنّ إهتمام الإسلام بتصفية الباطن من خلال الترغيب في النية الخالصة والإبتعاد عن النية المشوبة ، يعرب عن عناية الإسلام بموضوع النية ، وما ذلك إلا لأنها مصدر العمل وروحه ، فالنية الصالحة مصدر الخيرات، كما أن النية الطالحة منبع الشرور..
قال الله تعالى:{ فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا } الكهف ١١٠
قال النبي(ص) لما خرج إلى غزوة تبوك:« إنّ بالمدينة أقواما، ما قطعنا واديا ولا وطأنا موطئا يغيظ الكفار ولا أنفقنا نفقة ولا أصابتنا مخمصة، إلا شاركونا في ذلك وهم في المدينة. قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله وليسوا معنا ؟! فقال(ص): حبسهم العذر فشاركونا بحسن النية ».
قال الصادق(ع):« الإبقاء على العمل حتى يخلص أشد من العمل ، والعمل الخالص، الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلا الله عز وجل، والنية أفضل من العمل، ألا وإنّ النية هي العمل ».
أوصی عیسی المسیح(ع) أتباعه قائلا:« إنّ موسی أمرکم أن لا تزنوا، وأنا آمرکم أن لا تحدثوا أنفسکم بالزنا فضلا عن أن تزنوا، فإنّ من حدث نفسه بالزنا ، کمن أوقد في بیت مزوق فأفسد التزاویق الدخان، وإن لم یحترق البیت ».
وفي الخبر: أنّ رجلا من المسلمين قتل في سبيل الله بأيدي الكفار، وكان يدعى بين المسلمين قتيل الحمار، لأنه قاتل رجلا من الكافرين نية أن يأخذ حماره وسلبه، فقتل على ذلك فأضيف إلى نيته .
وهاجر رجل إلى الجهاد مع أصحاب النبي(ص)، وكانت نيته من المهاجرة أن يأخذ إمرأة كانت في عساكر الكفار ويتزوجها- وتسمى أم قيس- فأشتهر هذا الرجل عند أصحاب النبي: بمهاجر أم قيس!
قال سبحانه وتعالي:{ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم } البقرة ٢٢٥
قال رسول الله(ص):« أول من يسأل يوم القيامة ثلاثة: رجل آتاه الله العلم فيقول الله له: ما صنعت فيما علمت ؟ فيقول: يا رب كنت أقوم به آناء الليل وأطراف النهار. فيقول الله: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، بل أردت أن يقال فلان عالم، ألا فقد قيل ذلك. ورجل آتاه الله مالا، فيقول الله له: لقد أنعمت عليك فماذا صنعت ؟ فيقول: يا رب كنت أتصدق به آناء الليل وأطراف النهار. فيقول الله: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، بل أردت أن يقال فلان جواد، ألا فقد قيل ذلك. والثالث رجل جاهد في سبيل الله فقتل، فيقول الله له: لقد جاهدت ليقال فلان شجاع، ألا فقد قيل ذلك. ثم قال(ص): أولئك أول خلق تسعر بهم جهنم يوم القيامة ».
قال الإمام الباقر(ع):« الإبقاء علی العمل أشد من العمل. قیل: وما الإبقاء علی العمل؟ قال: یصل الرجل بصلة وینفق نفقة لله وحده لا شریک له فکتب له سرا ، ثم یذکرها فتمحی فتکتب له علانیة ثم یذکرها فتکتب له ریاء ».
قال أمير المؤمين(ع):« الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم ، وعلى كل داخل في باطل إثمان: إثم العمل به، وإثم الرضا به ».
قالت الزهراء(عليها السلام):« من أصعد إلى الله خالص عبادته ، أهبط الله عز وجل إليه أفضل مصلحته ».
قال النبي(ص):« نية المؤمن خير من عمله ، ونية الكافر شر من عمله ، وكل عامل يعمل على نيته ».
وإلى هذا قال الباقر(ع):« نية المؤمن خير من عمله، وذلك لأنه ينوي الخير ما لا يدركه ، ونية الكافر شر من عمله ، وذلك لأن الكافر ينوي الشر ويأمل من الشر ما لا يدركه ».
إنّ من یصلي مثلا صلاة اللیل لیوسع الله علیه رزقه أو یتصدق لدفع البلیة أو ما شابه ذلک.. هذه العبادات مقبولة عند الله سبحانه وتعالى، ولکنها لیست خالصة لله ولا تحتوي علی النیة الصادقة ، وإنما هي لنیل الرغبات وتعمیر الدنیا !
" لا أطلع علی قلب عبد، فأعلم فیه حب الإخلاص لطاعتي وابتغاء وجهي ، إلا تولیت تقویمه وسیاسته ".
الإخلاص في العبادة: هو أن لا یرید عامله عوظا في الدارین !
{ ألا لله الدين الخالص }.
فالمخلص هو من يكون عمله لمحض التقرب إلى الله وحده ، من دون قصد شيء آخر أصلا.. وإنّ من أعلى مراتب الإخلاص، هو إرادة محض وجه الله وحده ، دون توقع عوضا في الدارين ..
وهذا هو الإخلاص المطلق !
قال النبي(صلى الله عليه وآله):« من أخلص لله أربعين يوما ، فجر الله ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ».
" اللهم ارزقنا توفيق الطاعة ، وبُعد المعصية ، وصدق النية ، وعرفان الحرمة ".
آمين رب العالمين !

الـتـفـــــــكــر

قال الله تعالی:{ الذین یذکرون الله قیاما وقعودا وعلی جنوبهم ویتفکرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانک فقنا عذاب النار} آل عمران ١٩١
التفکر:
هو ترتیب الأمور المعلومة للوصول إلی النتائج المجهولة.
قال النبي(صلى الله عليه وآله):« التفکر حیاة قلب البصیر».
قال الإمام الصادق(ع):« أفضل العبادة ، التفکر في الله وفي قدرته».
وقال أمير المؤمنين(ع):« نبّـه بالتفکر قلبک، وجاف من اللیل جنبک، وآتق الله ربک ».
قد تمر علی الإنسان ساعات کثیرة من الفراغ، والتي لوعُدّت، لمثلت مساحة کبیرة من ساعات عمره.. فعلی المؤمن الفطن أن یملأ هذا الفراغ: إما بالقراءة أو بالتفکر والتدبر. فیسیح بقلبه سیاحة لا تدرک لذتها ولا یوصف کنهها، وهي سیاحة لا تحتاج إلی بذل مال ولا صرف جهد، وذلک بتیسیر من االحق المتعال.
علیک ـ يا أبو تقوى ـ بکثرة التفکر في الله تعالی: أسماءه ، صفاته ، کمالاته ، قدرته ، غناه.. الخ
قال الصادق(ع):« تکلموا في خلق الله ولا تتکلموا في الله ، فإنّ الکلام في الله لا یزید صاحبه إلا تحیرا ».
علیک بکثرة التفکـّر في لطائف المصنوعات ودقائق أسرار الوجود..
أنظر مثلا للبعوض كيف خلقه الله على صغر قدره، على شكل الفيل الذي هو أعظم الحيوانات، إذ خلق له خرطوما كخرطومه یمتص به الدم ، فیصل عبره إلی معدته وسائر أعضاءه ، وخلق له السمع والبصر..
ولمّا كانت حدقة كل حيوان صغيرة بحيث لا يحتمل الأجفان لصغره، فانظر کیف خلق للبعوض والذباب يدين ليمسح بهما حدقتيه ويطهرها من الغبار والقذى، سبحان الله ! أولا ترى الذباب أنه على الدوام يمسح حدقتيه بيديه ؟!
تفكر في جسم هذا الإنسان( بأنسجته وعصبه وإفرازاته..) وكيفية تأدية أعضائه لوضائفها المعقدة ما يناهز القرن أو أكثر من الزمن، وما هو إلا لحم وعظم، ولو كان حديدا لتآكل بمرور الأيام..
ثم أنظر إلى النحل وبناء بيوتها من الشمع، واختيارها من جملة الأشكال، (المسدس)، فلا يبني مستديرا ولا مربعا ولا مخمسا، بل إختار المسدس لخاصية يقصر عن دركها أفهام المهندسين..
تفکر مثلا: في بصمات الأصابع کیف تختلف من شخص لآخر علی کثرتهم. تفکر في نعمة الجوع والتي لولاها لما إلتفت لا إنسان ولا حیوان إلی أکل أبدا، ولمات من الجوع . تفکر في البحار والجبال، في دوران الأرض واختلاف اللیل والنهار..
وتمعن في آيات الذكر الحكيم:
{ وهو الذي مد الارض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون * وفي الارض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الاكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} الرعد ٣ ـ ٤
{ وإن لكم في الانعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين * ومن ثمرات النخيل والاعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون}النحل ٦٦ـ ٦٧
{ إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي...} الأنعام ٩٥ ـ ٩٩
إنّ هذا التفکر، یفتح للمتوسطین أبوابا من المعرفة ولو أنه للکاملین هو حجاب.. " حسنات الأبرار، سیئات المقربین " !!
قال النبي(صلى الله عليه وآله):« تفکر ساعة ، خیر من عبادة سنة ـ أو سبعین سنة ـ ».
وقال الصادق(ع):« الفكر مرآة الحسنات وكفارة السيئات، وضياء للقلوب وفسحة للخلق، وإصابة في صلاح المعاد، وآطلاع على العواقب، وآستزادة في العلم، وهي خصلة لا يعبد الله بمثلها ».
ويقول الإمام الرضا(ع):« ليس العبادة كثرة الصلاة والصوم، إنما العبادة التفكر في أمر الله عز وجل ».
إختر لنفسک ساعة للتفکر، ولیکن ذلک إذا جنّ علیک اللیل حیث یکون القلب خالیا من هموم الدنیا، وغص في التفکر وتأمـّل: من أنا؟ وأین أنا؟ ومن أین جئت؟ وإلی أین أذهب..؟ وغص في التفکر حتی تصل إلی أن تجد نفسک کأن لیس في عالم الوجود سواک !
واسال الباري تقدست أسمائه أن یـُعرّفک نفسک، فلا أشنع ولا أقبح من أن لا یعرف المرء نفسه !
قال رسول الله(ص):« إنّ آدم(ع) قال في وعظه لأولاده: کل عمل تریدون أن تعملوه قفوا له ساعة، فإني لو وقفت ساعة لما أصابني ما أصابني ».
قال أمیر المؤمنین(ع):« لكل شئ دليل ، ودليل العاقل التفكر».
وقال أیظا(ع):« من فكر قبل العمل ، كثر صوابه » !
تمعن: " الحجر الذي یقذف به مجنون إلی قعر البئر، یعجز عن إخراجه عدد من العقلاء " !
لا تعجلن لأمر أنت فاعلــــــه..........فقلما یُدرک المطلوب ذو العجل
فذوالتأني مصیب في مقاصده..........وذو التعجل لا یخلو من الـــزلل
قال الله تعالی:{ کتاب أنزلناه إلیک مبارک لیدّبّروا آیاته ولیتذکر أولوا الألباب } ص ٢٩

الـفــــــطـرة

قال الله تعالی:{ فأقم وجهک للدین حنیفا فطرة الله التي فطر الناس علیها لا تبدیل لخلق الله ذلک الدین القیّم ولکنّ أکثر الناس لا یعلمون } الـروم ٣٠
وقال أيظا:{ ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون} يس22
إنّ الله تبارک وتعالی أرسل الأنبیاء لتربیة البشر، وأنزل الکتب السماویة لتعینهم من الخارج علی فطرتهم الداخلیة ، لتنجو النفس من هذا الغلاف الغلیظ (الشجرة الدنیویة الخبیثة).
والقلب ـ وهو مرکز الفطرة ـ له وجهتین إثنين: إحداهما نحو عالم الغیب والروحانیة، والثانیة نحو عالم الطبیعة والشهادة.
اعلم أن من الأمور الفطرية التي (فطر الناس عليها) هو النفور من النقص، ولذلك ينفر الإنسان من كل ناقص، فهو ينفر منه لأنه وجد فيه نقصاً وعيباً. إذن فالفطرة تنفر من النقص والعيب، وفي المقابل تنجذب إلى الكمال. فالفطرة لا بد من أن تتوجه إلى الواحد الأحد، لأن كل كثير ومركب ناقص. وكل ناقص ليس بمرغوب فيه. إذن أمكن بمقتضى هاتين الفطرتين: (فطرة حب الكمال) و (فطرة النفور من النقص) إثبات وحدانية الله سبحانه وتعالى. إذ لا يمكن أن يتوجه الإنسان إلى غير الكمال المطلق ويتعلق قلبه به.
فالفطرة فطرتین إلاهیتین: إحداهما أصليّ: وهو فطرة العشق والتوق للکمال المطلق.. والآخر تبعيّ: وهو فطرة النفور من النقص.
إنّ عشق الراحة مثلا هو ثابت في فطرة کل البشر، والراحة المطلقة, کما هو معلوم، غیر ممکنة في الحیاة الدنیا.. وحتی وإن وُجد بعضها، فهي مشوبة بالجهد والتعب والمشقة في تهیئتها.. وأما في عالم الملکوت فهذه الراحة المطلقة موجودة { فيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنفُسُ وَتَلَذُّ الأعْيُنُ}, {لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين} !
لو رجعنا إلى فطرتنا، لوجدناها تعشق الكمال بل تعشق الخير المطلق، بحيث لو حازت ما في الكرة الأرضية لتطلعت إلى غيرها، ولو احتملت أن الكمال في القمر لطلبته، ولو حازت ما في القمر لتطلعت إلى كوكب آخر وهكذا..
فهي ما إن تحصل على شيء حتى تتمنى الأفضل منه وتنطلق نحوه، فإذا به ينكشف لها أن ذلك لم يكن المعشوق الحقيقي, فتبحث عن غيره. ذلك إن معيار المحبوب الحقيقي هو شعور المرء بالطمأنينة والاستقرار النهائي عند الوصال، لأن غاية العاشق هي الوصول إلى معشوقه.
إن هذا الظمأ الفطري لا يعرف الإرتواء حتى لو سلك جميع المسالك ورمى بنفسه في المهالك !
مثلا آخر: عشق الجمال.. هو أیظا ثابتا في فطرة کل البشر والتي تمیل ألا شعوریا إلی الجمال وتنفر ألا شعوریا من القبیح..
ولو أنّ الإنسان حاز مثلا ملکة جمال مدینة ، لتاق إلی ملکة جمال بلد، ثم إلی ملکة جمال العالم.. وهکذا.
أضف إلی التوق للغنی والنفور من الفقر، والتوق إلی القوة والنفور من الضعف.. الخ
فمحبوب الإنسان إذن هو ناقص ومحدود.. بینما محبوب الفطرة مطلق تام !
والإنسان بفطرته ـ من حیث لا یشعرـ هو متوجه إلی عالم کله راحة وجمال وغنی لا تعب فیه ولا نصب.. فبفطرته هو مؤمن بالنشئة الغیبیة.
قال رسول الله(ص):« کل مولود یولد علی الفطرة ، إلا أنّ أبواه یهودانه أو ینصرانه أو یمجسانه ».
فالإنسان یولد وهو مفطور علی الإیمان بالله، وإنما الذي یفسده أو یجعله سلیما بعد ذلک، إنما هما الأبوین والمجتمع .
فالفطرة تتوجه« للواحد» « الأحد», لأنّ کل کثير ومرکب ناقص.
وقد فسّرت الفطرة بـ:« فطرة المعرفة(العلم الذي أودعه الله في الإنسان مثل التوحيد والخير والشر ومعرفته..)»، « فطرة التوحید»، «فطرة الإسلام».
(فطرة الله التي فطر الناس عليها) فطرهم وخلقهم عليها, مثل القرص المدمج(hard disk) في الكمبيوتر فيه معلومات كثيرة , ففطرة الإنسان ملأها الله بأشياء كثيرة من معرفة ووحدانية الله إلا أن العبد لا يشغل هذا القرص وران عليه غبار الزمن!!
إن فطرة العجوز في كذا مكان, أو البروفسور في كاليفورنيا, أو الأعرابي في الصحراء.. فطرتهم هي واحدة !
قال الحق سبحانه:{ ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجنّ والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولائك كالأنعام بل هم أضل أولائك هم الغافلون } الأعراف ١٧٩
وقال أيظا:{ وما أنت بمسمع من في القبور} فاطر٢٣
هو الإنسان الخارج والمتمرّد عن فطرته والبعید عن ساحة قدس الله.. هو المریض القلب والناکر لوليّ نعمته.
وهو تفسیر باطنيّ للآیة ولیس معناه أنّ أهل القبور لا یسمعون!
والحمد لله ربّ العالمین.

جهــــاد النـــفس

قال الله تعالی:{ والذین جاهدوا فینا لنهدینهم سبلنا وإنّ الله لمع المحسنین } العنکبوت ٦٩
عن النبي(ص) أنه بعث سریة، فلما رجعوا، قال:« مرحبا بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي علیهم الجهاد الأکبر، قالوا: وما الجهاد الأکبر یا رسول الله ؟ قال: جهاد النفس. ثم قال(ص): أفضل الجهاد، من جاهد نفسه التي بين جنبيه ».
قال الإمام علي(ع) في وصيته عند وفاته:.. والله الله في الجهاد للأنفس فهي أعدى العدو، فإنه قال الله تبارك وتعالى:{ إنّ النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي}، وإنّ أول المعاصي تصديق النفس والركون إلى الهوى ».
من أنواع الجهاد، مجاهدة المؤمن لنفسه في ردعها عن المحرمات وقيامها بأداء الأوامر الشرعية، فإنّ رغبات النفس ـ کما لا یخفی ـ لا تقف عند حدّ، فإذا ما أتبعها الإنسان ولو خطوة واحدة ، فستضطره لإتباعها خطوات وخطوات.. وإذا رضي منها بهوی واحدا، أجبرته علی الرضا بهوی آخر وهکذا..
من هنا وجب مجاهدة هذه النفس.. ذاک الجهاد الذي یسمیه العرفاء بـ: « الموت الأحمر» !
أكيدا بأنه في إبتداء السلوک سيكون صعبا، ولکن بالإقدام والتصمیم وقوة الإرادة وصرف الوقت والفکر والریاضات والمجاهدات.. یستطیع المجاهد ـ وبعون الله ـ الوصول إلی کل مقصد ومقصود.
قال الإمام الصادق(ع):« أقصر نفسك عما يضرها من قبل أن تفارقك، واسع في فكاكها كما تسعى في طلب معيشتك، فإنّ نفسك رهينة بعملك ».
قال أمیرالمؤمنین(ع):« إذا صعبت علیک نفسک ، فآصعب لها، تذلّ لک ».
فمخالفة النفس فیما تهوی وتکره ، من أهم أسس التزکیة وخاصة عند (إصرار) النفس علی رغبة جامحة في مأکل أو ملبس أو منکح.. والوقوف أمام النفس ضروري لتعوید النفس علی التنازل عن هواها لحکم العقل.
فالإنسان عند مخالفة شهوة من شهوات النفس، یحس (بهالة) من السمو والعزة ، فیجد حلاوة الإیمان في قلبه !
یجب أن تتعلم مخالفة النفس والسیطرة علیها ، حتی تصل درجة (التلذذ) من مخالفة النفس والتحکم فيها !
إصبر علی ذلک أیاما، تعقبها راحة طویلة إنشاء الله .
قال الحق سبحانه:{ یا أیها الإنسان إنک کادح إلی ربک کدحا فملاقیه } الإنشقاق ٦
دخل على رسول الله( ص) رجل اسمه مجاشع، فقال:« يا رسول كيف الطريق إلى معرفة الحق؟ فقال(ص): معرفة النفس. فقال: يا رسول الله، كيف الطريق إلى موافقة الحق؟ قال: مخالفة النفس. فقال: يا رسول الله, فكيف الطريق إلى رضاء الحق؟ قال: سخط النفس. فقال: يا رسول الله، فكيف الطريق إلى وصل الحق ؟ قال: هجر النفس. فقال: يا رسول الله، فكيف الطريق إلى طاعة الحق ؟ قال: عصيان النفس. فقال: يا رسول الله، فكيف الطريق إلى ذكر الحق ؟ قال: نسيان النفس. فقال: يا رسول الله، فكيف الطريق إلى قرب الحق؟ قال: التباعد عن النفس. فقال: يا رسول الله، فكيف الطريق إلى أنس الحق؟ قال: الوحشة من النفس. فقال: يا رسول الله، كيف الطريق إلى ذلك؟ فقال: الإستعانة بالحق على النفس».
کما أنّ الإنسان في السفر الخارجي المحسوس، لا یکون مسافرا ما دام هو فی مکانه ولم یغادربلدته، کذلک السفر والهجرة إلی الله تعالی، لا تتحقق إلا بعد مغادرة البیت المظلم للنفس، وما دامت العلقة الدنیویة عالقة بقلبه ، فهو لیس مسافرا .
من قواعد السفر إلی الله تعالی، هي السیطرة علی زمام النفس ،
إذ کیف یمکن سوق دابة صعبة القیاد ولجامها بید غیر صاحبها ؟
یجب أن تکون أنت مربي نفسک ومعالج قلبک وطبیب روحک.
" فإنّ المربیة لن تکون أرحم من الأم " !
قال الإمام الباقر(ع):« إنّ المؤمن معني بمجاهدة نفسه ليغلبها على هواها ، فمرة يقيم أودها ويخالف هواها في محبة الله ، ومرة تصرعه نفسه فيتبع هواها ، فينعشه الله فينتعش ويقيل الله عثرته فيتذكر، ويفزع إلى التوبة والمخافة فيزداد بصيرة ومعرفة لما زيد فيه من الخوف.. ولا فضيلة كالجهاد ولا جهاد كمجاهدة الهوى ».
إنّ مجاهدة النفس حتی درجة السیطرة علیها بکل قواها المختلفة، تجعلها مؤثرة في بعض الأمور.. إذ النفس طاقة من طاقات هذا الوجود ملیئة بالأسرار المذهلة، فکما أنّ الطاقات الأرضیة تعمل الأعاجیب في عالم الآفاق، فکذلک الطاقات الروحیة تعمل الغرائب في عالم الأنفس !!
لکن إنتبه: لا ترتاض للحصول علی قوی النفس وقدرتها وتسلطها.. بل تحرک بخطی الحق للبحث عن الحق سبحانه، واعلم أنه:
« لا مؤثر في الوجود إلا الله » !
إذا وجدت جنود النفس وإبلیس هم الغالبون والمسیطرون فی باطن ذاتک ومملکة روحک، وجب إخراجهم بالجدّ والریاضة فورا، وأن تفرغ نفسک منهم وتقطع ید اللعین عن التصرف بها .
لا شك أنّ الموقف مع النفس دقيق وحرج، ولكنه المحك لقوة الإرادة وتمييز الرجال من أشباه الرجال. وكما أنّ البطل هو الذي يصرع الخصم عند النزال، كذلك المؤمن الحق هو الذي يتغلب على ميول النفس ونزعاتها، ولا يستجيب لأهوائها وشهواتها، بل تكون أسيرة له يأمرها فتطيع، ولا يكون هو أسيرا لها تأمره فيطيع !
قال أحد المؤلفين:« إنّ الشيطان يقرع على باب قلبك، ولكن ثق أنه لن يقوى من تلقاء نفسه على فتح الباب، لأنه رجل مهذب لا يقترف جريمة هتك حرمة مسكنك، بل يكتفي بطلب الإذن بالدخول، فلا تأذن له، وإياك أن توارب الباب، حتى ولا لترى من الطارق ؟ إنّ من يفتح الباب فقد هلك.. إنّ دقيقة واحدة مع الشيطان كافية لأن توردك مورد التهلكة ».
وهذا صحيح، إذ نطق به القرآن الكريم حكاية عن الشيطان في سورة إبراهيم الآية ٢٢ { وقال الشيطان لما قضي الأمر إنّ الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتموني من قبل إنّ الظالمين لهم عذاب أليم }.
فليس لإبليس أو الشهوات أو الإرادة الشريرة أو المغريات الخارجية ، ليس لها إلا الدعوة ، وما عليك إلا الرفض إذا أردت أن تكون إنسانا كريما !
قال الإمام علي(ع) مخاطبا الدنيا:« فوالله لا أذل لك فتستذليني، ولا أسلس لك فتقوديني ».
قال رسول الله(ص):« يا أبا ذر، لا يكون الرجل من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة الشريك، فيعلم من أين مطعمه ومشربه ؟ ومن أين ملبسه ؟ أمن حل أو من حرام » ؟
قال الإمام علي(ع):« عباد الله، زنوا أنفسکم من قبل أن توزنوا، وحاسبوها من قبل أن تحاسبوا، وتنفسوا قبل ضیق الخناق، وانقادوا قبل عنف السیاق..».
شروط مجاهدة النفس:
التفکر: علیک بکثرة التفکر في ذات الله تعالی وفي لطائف المصنوعات ودقائق أسرار الوجود..
العزم والإرادة: وهو أن تعزم على ألا تعود إلی ذنب أبدا. ولا تنسی بأنّ أکثر ما یسبب علی فقد العزم والإرادة، هو: الإستماع إلی الغناء !
المشارطة: شارط نفسک في أول یومک علی أن لا تعصي الله أبدا، وکما تشارط شریکک المالي، شارط نفسک.
المراقبة: وهي حراسة النفس، لئلا تجرّ الأعضاء والجوارح إلی إرتکاب المخالفة.
الموازنة: وهي المقارنة بین منافع ومضار أيّ عمل أو سلوک ترید الإتیان به, لترى على أي واحد منها يصح الإقدام عليه؟
المحاسبة: وذلک عند النوم إذا جنّ علیک اللیل، فآجلس للحساب لتحاسب نفسک، ماذا فعلت في یومک وهل أدیت ما اشترطت..؟
المعاتبة: وذلک أن تعاتبها إذا لم تکتسب خیرا.
المعاقبة: وهو معاقبة النفس إذا ما أخطأت وإجبارها علی تحمل الریاضات الشاقة کالصوم والقیام لساعات أطول.. الخ
قال الإمام زين العابدين(ع):« إبن آدم ، إنك لا تزال بخير ما كان لك واعظ من نفسك ، وما كانت المحاسبة لها من همك ، وما كان الخوف لك شعارا والحزن لك دثارا ، إنك ميت ومبعوث وموقوف بين يدي الله عزوجل ، فأعد جوابا ».
قال الإمام الکاظم(ع):« لیس منا من لم یحاسب نفسه في کل یوم، فإن عمل حسنا إستزاد الله ، وإن عمل سیئا إستغفر الله منه وتاب إلیه ».
عن الإمام علي(ع) عن النبي(ص) أنه قال:« أكيس الكيسين من حاسب نفسه وعمل لما بعد الموت . فقال رجل: يا أمير المؤمنين، كيف يحاسب نفسه ؟ قال: إذا أصبح ثم أمسى رجع إلى نفسه وقال: يا نفسي، إنّ هذا يوم مضى عليك لا يعود إليك أبدا ، والله يسألك عنه: بما أفنيته ؟ فما الذي عملت فيه ؟ أذكرت الله أم حمدته ؟ أقضيت حوائج مؤمن فيه ؟ أنفست عنه كربة ؟ أحفظته بظهر الغيب في أهله وولده ؟ أحفظته بعد الموت في مخلفيه ؟ أكففت عن غيبة أخ مؤمن ؟ أأعنت مسلما ؟ ما الذي صنعت فيه ؟ فيذكر ما كان منه، فإن ذكر أنه جرى منه خير حمد الله وكبره على توفيقه، وإن ذكر معصية أو تقصيرا، إستغفر الله وعزم على ترك معاودته ».
كيفية محاسبة النفس: لقد كان الأولون من الصلحاء ، أشد محاسبة لنفوسهم، من سلطان غاشم ومن شريك شحيح . فإذا بغيت الخلاص لنفسك، فما عليك إلا أن تحاسبها على جميع حركاتها وسكناتها.. فكما أنّ الإنسان يفتش في حساب الدنيا عن الحبة والقيراط والنقير والقطمير، كذلك ينبغي أن يفتش عن أفعال النفس ويضيق عليها الخناق، وليتق غائلتها وتحايلها فإنها خداعة ماكرة ملبسة، وليدقق في جميع أفعاله وأحواله: في نظره وسمعه ، ونومه وقيامه، وأكله وشربه ، وكلامه وسكوته ، وخواطره وأفكاره.. ويتوجه إلى كل واحد من أعضائه ويتفكر في المعاصي المتعلقة به ، مثل أن ينظر في لسانه ، ويتفكر في أنه هل صدر منه شئ من الغيبة ، أو الكذب ، أو الفحش ، أو فضول الكلام ، أو النميمة ، أو الثناء على النفس.. ثم ينظر في بطنه ، هل عصى الله بأكل حرام أو شبهة ، أو كثرة مانعة عن صفاء الروح.. وهكذا يفعل مع كل عضو. ثم يتفكر في الطاعات المتعلقة بكل واحد منها وفيما خلق هذا العضو لأجله من الفرائض والنوافل، فإن وجد- بعد التفكر- عدم صدور شئ من المعاصي عن شئ منها، وإتيانها بالطاعات المفروضة عليها بأسرها وبالنوافل المرغبة إليها بقدر اليسر والإستطاعة ، فليحمد الله على ذلك ، وإن عثر على صدور شئ من المعاصي أو ترك شئ من الفرائض ، فليتفكر أولا في الأسباب الباعثة على ذلك ، من الإشتغال بفضول الدنيا أو مصاحبة أقران السوء أو غير ذلك ، فليبادر إلى قطع السبب ، ثم التدارك بالتوبة والندم ، لئلا يكون غده مثل يومه .
وهذا القدر من التفكر في كل يوم وليلة ، لازم لكل ذي دين معتقد بالنشأة الآخرة ، وقد كان ذلك عادة وديدنا لسلفنا المتقين في صبيحة كل يوم أو عشية كل ليلة ، بل كانت لهم جريدة يكتبون فيها رؤوس المهلكات والمنجيات ويعرضون في كل يوم وليلة صفاتهم عليها ، ومهما إطمأنوا بقطع رذيلة أو الإتصاف بفضيلة يخطون عليها في الجريدة ، ويدعون الفكر فيها ، ثم يقبلون على البواقي ، وهكذا يفعلون حتى يخطوا على الجميع . ومن كان أقل مرتبة منهم من الصلحاء ربما يثبتون في جريدتهم بعض المعاصي الظاهرة ، من أكل الحرام ، والشبهة ، وفضول الكلام ، والكذب ، والغيبة والمراء، والنميمة ، والمداهنة وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. وغير ذلك ، ويفعلون بمثل ما مر .
قال الله سبحانه:{ يا أيها الذين آمنوا إتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم } الحديد ٢٨
قال الإمام الصادق(ع):« طوبى لعبد جاهد في الله نفسه وهواه ! ومن هزم جند هواه ظفر برضاء الله ، ومن جاوز عقله نفسه الأمارة بالسوء، بالجهد والإستكانة والخضوع على بساط خدمة الله تعالى، فقد فاز فوزا عظيما ، ولا حجاب أظلم وأوحش بين العبد وبين الله تعالى من النفس والهوى ، وليس لقتلهما وقطعهما سلاح وآلة مثل الإفتقار إلى الله والخشوع والجوع والظمأ بالنهار والسهر بالليل ، فإن مات صاحبه مات شهيدا ، وإن عاش واستقام أداه عاقبته إلى الرضوان الأكبر، قال الله عز وجل: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإنّ الله لمع المحسنين ».
كيفية المعاقبة: إذا ما حاسبت نفسك فوجدتها مقصرة في حقوق الله، متوانية بحكم الكسل والبطالة في شئ من الفضائل، فلا ينبغي أن تهملها، إذ لو أهملتها لسهل عليها مقارفة المعاصي بحيث يعسر بعد ذلك فطامها ! فعليك بمعاقبتها على تقصيرها وإجبارها علی تحمل الریاضات الشاقة ، من وظائف العبادات کالصوم والقیام لساعات أطول، والتصدق بما تحبه.. فإذا أكل الإنسان مثلا لقمة مشتبهة ، ينبغي أن يعاقب البطن بالجوع ، وإذا نظر إلى غير محرم يعاقب العين بمنع النظر، وإذا اغتاب مسلما يعاقب اللسان بالصمت والذكر مدة طويلة ، وكذلك يعاقب كل عضو من أعضائه إذا صدرت منه معصية بمنعه من شهواته ، وإذا استخف بصلاة ألزم نفسه بصلاة كثيرة بشرائطها وآدابها ، وإذا استهان بفقير أعطاه صفو ماله ، وهكذا الحال في سائر المعاصي والتقصيرات .
لقد كان رسول الله(ص) يصلي حتى تتورم قدماه ، ويقول:« أفلا أكون عبدا شكورا ». وقد صح عنه(ص):« أنّ لله ملائكة في السماء السابعة سجودا منذ خلقهم إلى يوم القيامة ، ترعد فرائصهم من مخافة الله، لا تقطر من دموعهم قطرة إلا صارت ملكا، فإذا كان يوم القيامة، رفعوا رؤوسهم وقالوا: ما عبدناك حق عبادتك..»!
وقيل لربيع بن خثيم : ما لك لا تنام بالليل ؟ قال :« لأني أخاف البيات ». وكان أويس القرني يقول في بعض الليالي:« هذه ليلة الركوع ». فيحيي الليل كله في ركعة ! ويقول في بعضها:« هذه ليلة السجود ». فيحيي الليل كله في سجدة ! وروي أنّ بعضهم نظر إلى إمرأة ، فجعل على نفسه ألا يشرب الماء البارد طول حياته ، فكان يشرب الماء الحار لينغص على نفسه العيش !!
قال بعض أصحاب أمير المؤمنين(ع): صلينا خلفه الفجر، فلما سلم انتقل إلى يمينه وعليه كآبة ، فمكث حتى طلعت الشمس، ثم قلب يديه وقال:« والله لقد رأيت أصحاب محمد(ص) وما أرى اليوم شيئا يشبههم ، وكانوا يصبحون شعثا غبرا صفرا ، بين أعينهم أمثال ركب المعزى ، قد باتوا لله سجدا وقياما، يتلون كتاب الله عز وجل، ويراوحون بين أقدامهم وجباههم، وكانوا إذا ذكروا الله مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح ، وهملت عيونهم حتى تبل ثيابهم ، وكأن القوم باتوا غافلين » ثم نهض، فما رئي ضاحكا حتى ضربه اللعين.
قال الإمام الصادق(ع):« کان في وصیة النبي(ص) لعلي(ع) أن قال: یا علي أوصیک في نفسک بخصال فاحفضها عني، ثم قال: اللهم أعنه . أما الأولی فالصدق ولا یخرجن من فیک کذبة أبدا. والثانیة الورع ولا تجتریء علی خیانة أبدا . والثالثة الخوف من الله عز ذکره کأنک تراه . والرابعة کثرة البکاء من خشیة الله تعالی، یُبنی لک بکل دمعة ألف بیت في الجنة . والخامسة بذلک مالک ودمک دون دینک . والسادسة الأخذ بسنتي في صلاتي وصومي وصدقتي: أمّا الصلاة فالخمسون رکعة، وأمّا الصیام فثلاثة أیام في الشهر: الخمیس في أوله والإربعاء في أوسطه والخمیس في آخره. وأمّا الصدقة فجهدک حتی تقول قد أسرفت ولم تسرف. وعلیک بصلاة اللیل وعلیک بصلاة اللیل وعلیک بصلاة اللیل، وعلیک بصلاة الزوال وعلیک بصلاة الزوال وعلیک بصلاة الزوال. وعلیک بتلاوة القرآن علی کل حال، وعلیک برفع یدیک في صلاتک وتقلیبهما، وعلیک بالسواک عند کل وضوء. وعلیک بمحاسن الأخلاق فارتکبها ومساویء الأخلاق فآجتنبها ، فإن لم تفعل فلا تلومنّ إلا نفسک ».
قال الإمام علي(ع):« ما عبدتک طمعا في جنتک ولا خوفا من نارک ، بل وجدتک أهلا لذلک فعبدتک » !
إنّ الصلاة التي تقام للحصول علی الشهوات الدنیویة والأخرویة، لیست تلك الصلاة التي هي معراج المؤمن، بل هي صلاة تقربنا من الحور العین، ولکن في المقابل تبعدنا عن ساحة القرب الإلاهي.
قال الصادق(ع):« العبادة ثلاث: قوم عبدوا الله عز وجل خوفا، فتلک عبادة العبید، وقوم عبدوا الله تبارک وتعالی طلبا للثواب، فتلک عبادة الأجراء، وقوم عبدوا الله عز وجل حبّا له، فتلک عبادة الأحرار وهي أفضل العبادات ».
يقول الإمام الرضا(ع):« الصلاة قربان کل تقي ».
قال الله تعالی:{ إنّ الصلاة کانت علی المؤمنین کتابا موقوتا } النساء ١٠٣
علیک بالمحافظة علی الصلاة في أول وقتها، فلا تقدم التوافه من الأمور علی اللقاء مع رب العالمین !
فما دام العبد لا یهتم بمواعید الحق، فکیف یتوقع مسارعة الحق في تلبیة ندائه.. کما یدین العبد، یُــــدان..؟!
لقد کان النبي(ص) إذا دخل وقت الصلاة ، کان کمن لا یعرف أهلا ولا حمیما ، شغلا بالله عن کل شيء !
تروي عائشة عن النبي(ص):« أنه کان یحدثنا ونحدثه ، فإذا حضرت الصلاة ، فکأنه لم یعرفنا ولم نعرفه ، شغلا بالله عن کل شيء ».
قال الإمام الصادق(ع):« من صلی الصلوات المفروضات في أول وقتها وأقام حدودها ، رفعها الملک إلی السماء بیضاء نقیة تقول: حفضک الله کما حفضتني، استودعتني ملک کریم . ومن صلاها بعد وقتها من غیر علة ولم یقم حدودها ، رفعها الملک سوداء مظلمة وهي تهتف به: ضیعتني ضیعک الله کما ضیعتني ، ولا رعاک الله کما لم ترعني ».
قال النبي(ص):« ما من صلاة یحضر وقتها ، إلا نادی ملک بین یدي الناس: أیها الناس، قوموا إلی نیرانکم التي أوقدتموها علی ظهورکم، فأطفئوها بصلاتکم ».
قال سبحانه وتعالی:{ قد أفلح المؤمنون الذین هم في صلاتهم خاشعون } المؤمنون ٢
قال الإمام الباقر(ع):« إنما لک من صلاتک ما أقبلت علیه منها ، فإن أوهمها کلها أو غفل عن آدابها ، لفت فضرب بها وجه صاحبها».
إنّ شقائنا في أننا نترک کل أفکارنا المتشتتة إلی وقت العبادة ، وعند تکبیرة الإحرام وکأننا فتحنا باب المتجر، وعندما ننتبه للعبادة نجد أنفسنا في نهایة الصلاة !
قال الصادق(ع):« لا تتهاون بصلاتک فإنّ النبي(ص) قال عند موته: لیس مني من استخف بصلاته ، لیس مني من شرب مسکرا، لا یرد علي الحوض لا والله ».
علی السالک, في الصلاة, إمساک طائر الخیال وإلجامه كلما أراد أن یتحول من غصن إلی غصن.. فبعد فترة من الترویض شيئا فشيئا سیرضخ إنشاء الله ویهدأ .
إنها إحدی وسائل الشیطان لجلب الشقاء للمصلي.. فانتبه !
يقول الإمام الصادق(ع):« یا عبد الله، إذا صلیت فصل صلاة مودّع یخاف أن لا یعود إلیها أبدا ، ثم اصرف ببصرک إلی موضع سجودک، فلو تعلم من علی یمینک وشمالک لأحسنت صلاتک، وآعلم أنک بین یدي من یراک ولا تراه ».
إنّ لکل رکعة من الصلاة روحها ورائحتها الخاصة بها.. ولکل جزء من أجزائها طعمه المتمیز.. ففي الرکعة الأولی نجد نشاط البدء في مواجهة الحق بعد طول إنتظار.. وفي الثانیة قنوت وحدیث مسترسل مع الربّ المتعال.. والثالثة هي بدایة النصف الأخیر من التنزل التدریجي بعد العروج وما یصاحبها من الإشفاق من قرب الرحیل.. والرابعة یشرف فیها علی الخروج من هذا اللقاء المبارک، بما یصحبه من ألم الوداع والفراق..!
قال رسول الله(ص):« ما من مؤمن إلا ولقلبه في صدره أذنان: أذن ینفث فیها الملک ، وأذن ینفث فیها الوسواس الخناس ، فیؤید الله المؤمن بالملک وهو قوله سبحانه: وأیدهم بروح منه ».
إذا خالفت الشیطان في الوسوسة فترة من الزمن ولم تلق بالا لوساوسه ، فسینقطع طمعه عنک، وتعود السکینة إلی نفسک إنشاء الله.
قال الإمام الصادق(ع):« لا یرکع عبد لله رکوعا علی الحقیقة، إلا زینه الله تعالی بنور بهائه ، وأظله في ظلال کبریائه ، وکساه کسوة أصفیائه . وفي الرکوع أدب وفي السجود قرب، ومن لا یحسن الأدب لا یصلح للقرب ».
إنّ حضور القلب لا یحصل إلا بتفریغه وتکریس الوقت له، فعلیک أن تـفهم القلب أهمیة العبادة وبالوقت الخاص بالعبادة فقط .
العبادة بلا حضور قلب، لا تورث القلب إلا قساوة !
قال الإمام زين العابدين(ع) لأهله، بعد أن سقط ولدها في البئر، والإمام(ع) مقبل علی صلاته:« لو ملت بوجهي عنه ، لمال بوجهه عني، فمن ترین أرحم بعبده منه » ؟!
قال الحق عزت آلاءه:{ ألم یأن للذین آمنوا أن تخشع قلوبهم لذکر الله وما نزل من الحق } الحدید ١٦
يا أبو تقوى: إجعل مناجاتک بمثابة التحدث مع صدیق عزیز علیک أو مع شخص محترم، فإنک تقبل علیه بکل وجدانک ولا ینشغل فکرک في أمور أخری.. فما بالک بولي النعمة جلت عظمته ؟!
إنّ مولی الموالي، الإمام علي(ع)، انتزعوا السهم من قدمه الشریفة وهو في الصلاة !!
إنّ عدم إدراک الألم حین التوجه إلی شيء لیس صعبا ، لأنّ النفس عندما تلتفت بصورة تامة إلی شيء، تغفل عن ملک البدن وتتحول الهموم كلها إلی همّ واحد !
قال الله تعالی:{ فلما رأینه أکبرنه وقطعن أیدیهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملک کریم } یوسف ٣١
وقد روي، أنّ أهل مصر مكثوا أربعة أشهر لم يكن لهم غذاء إلا النظر إلى وجه يوسف الصديق(ع)، كانوا إذا جاعوا نظروا إلى وجهه ، فشغلهم جماله عن الإحساس بالجوع !
فالمستغرق في صلاته لا یحتاج إلی استحضار صورة حسیة یستحضرها في الصلاة.. وذلک لإنشغاله بصور أرقی متمثلة بکسوة الجلال التي تغشي المصلي في صلاته .
« لو یعلم المؤمن ما یغشاه من جلال الله ، ما سره أن یرفع رأسه من سجوده »!
قال النبي(ص):« إنّ العبد إذا قام في الصلاة ، رفع الله الحجاب بينه وبين عبده ، وواجهه بوجهه وقامت الملائكة من لدن منكبيه إلى الهواء ، يصلون بصلاته ويؤمنون على دعائه ، وإنّ المصلي لينشر عليه البر من أعنان السماء إلى مفرق رأسه ، ويناديه مناد: لو علم المصلي من يناجي ما التفت . وإنّ أبواب السماء تفتح للمصلين ، وإنّ الله يباهي ملائكته بصدق المصلي ».
إنّ رفع الحجاب وفتح أبواب السماء ، كناية عن إفاضة العلوم الباطنية على المصلي !
قد تقول بأنك لا تقدر علی الترکیز في صلاتك، والحال أنك تملک أعلی صور الترکیز الذهني في مجال عملك أو أيّ مجال آخر.. والسرّ في ذلک هو رغبتك الأکیدة في مثل ذلک الترکیز، طمعا لما وراءه من المنافع والمکاسب.. فلو تتحقق فیك الرغبة في الترکیز عند الصلاة والدعاء طلبا لعظیم المنافع ، لأمکنك مثل هذا الترکیز أیظا، بل أشد من ذلک..
قال الإمام الصادق(ع):« یرفع للرجل من الصلاة ربعها أو ثمنها أو نصفها أو أکثر بقدر ما سها، ولکن الله تعالی یتم ذلک بالنوافل ».
يا أبو تقوى: إذا قمت بين يديه تعالى، فأشعر قلبک بأنک حاضر عند ساحة کرمه وفي محفل الأنس ومحضر القدس، حتی تتکامل إنشاء الله ويتنور قلبك ویصبح محلا للتجلیات.. وتكون تلك الأنوار مفاتيح للعلوم الباطنية !
إنک إذا سلمت القلب إلی صاحبه وأعرضت عن غیره ولم تدفع البیت إلی الغاصب اللعين، تجلی فیه صاحبه.. وتجلي الغني المطلق یدفع إلی الغنی المطلق بالعزة والغنی، وینهض صاحب البیت بإدارة أموره بنفسه ولا یترک الإنسان لوحده ، وإنما یتدخل ویتصرف في جمیع شؤون عبده .
بل یصبح هو سمعه وبصره ویده ورجله !!
عن أبي عبد الله(ع):« لما أسري بالنبي(ص) قال: یا رب ماحال المؤمن عندک ؟ قال: یا محمد، من أهان لی ولیا فقد بارزني بالمحاربة، وأنا أسرع شیئا إلی نصرة أولیائي. وما ترددت في شيء أنا فاعله کترددي في وفاة المؤمن یکره الموت وأکره مسائته. وإنّ من عبادي المؤمنین من لا یصلحه إلا الغنی ولو صرفته إلی غیر ذلک لهلک. وما یتقرب إليّ عبد من عبادي بشيء أحبّ مما افترضت علیه، وإنه یتقرب إليّ بالنافلة حتی أحبه، فإذا أحببته، کنت إذن سمعه الذي یسمع به وبصره الذي یبصر به ولسانه الذي ینطق به ویده التي یبطش بها، إن دعاني أجبته وإن سألني أعطیته ».
إنّ هذا السمع, إذا بذله الإنسان في طاعة النفس والشیطان وما یلهي عن الرحمان، بطل سمعه الروحاني، وأما إذا بذله في طاعة ربه أبدله الله سمعا خیرا منه، سمعا کاملا روحانیا فهو یسمع کلام الملائکة ویصغي إلی خطاب الرب تعالی في الآخرة والأولی، ویفهم کلام الله والأنبیاء والأوصیاء(ع)..!
وکذلک البصر إذا صرفه العبد في مشتهیات نفسه، ذهب الله بنوره وأعمی عین قلبه، وإذا بذله في طاعة ربه، نوّر الله عین قلبه وأعطی بصره نورا أعلی وأقوی ینظر به إلی الملکوت الأعلی، ویتوسم في وجوه الخلق ما لا یعرف غیره ، ویری الملائکة الروحانیین..
جاء عن الإمام زين العابدين(ع):« ألا إن للعبد أربع أعين: عينان يبصر بهما أمر دينه ودنياه ، وعينان يبصر بهما أمر آخرته ، فإذا أراد الله بعبد خيرا فتح له العينين في قلبه ، فأبصر بهما الغيب في أمر آخرته ».
{ إنّ في ذلک لآیات للمتوسمین }.
« إتقوا فراسة المؤمن فإنه ینظر بنور الله ».
قال الله تعالی:{ قل للمؤمنین یغضوا من أبصارهم }.
وقال:{ وقل للمؤمنات یغضضن من أبصارهن } النــور٣١
وجاء في الحديث:« لا تکوننّ حدید النظر إلی ما لیس لک، فإنه لن یزني فرجک ما حفضت عینک. فإن قدرت أن لا تنظر إلی ثوب المرأة فافعل » !
کذلک قوة البطش البدنیة، إذا صرفها السالک في طاعة الله وقربه ونهکها بالریاضات الحقة، أعطاه الله قوة روحانیة لا تضعف بالأمراض، بها یقدر علی التصرف في عالم الملک والملکوت..
قال أمير المؤمنين(ع):« ما قلعت باب خیبر بقوة جسمانیة بل بقوة ربانیة ».
کذا النطق، إذا صدق فیه وکان موافقا لعمله ومصادفا لرضا ربه، فتح الله به ینابیع الحکمة من قلبه علی لسانه..
« لا یسعني أرضي ولا سمائي, بل یسعني قلب عبدي المؤمن ».
وبعد طي جمیع المراحل، یشرع العبد في السلوک إلی الله بالمدد الباطني الغیبي ویکون القلب طالبا للحق فاحصا عنه، ویغسل الید والوجه من قذارات الإلتفات إلی الغیر ویترنم:« وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنیفا مسلما وما أنا من المشرکین ».
یا أبو تقوی: إسعی لأن تغادر هذا البیت المظلم للنفس ببرکة ترویض النفس وأنوار الهدایة، وإذا ما تحقق لک ذلک ـ إنشاء الله ـ فستنفتح أبواب قلبک علی العلوم والمکاشفات وتلقی المعارف في قلبک، وتشاهد جمال الجمیل..
وهذا الفتح یدعی بـ :(الفتح القریب) لأنه أول الفتوحات وأقربها.
ثم ( الفتح المبین), و( الفتح المطلق) !
قال سبحانه وتعالی:{ ومن یخرج من بیته مهاجرا إلی الله ورسوله ثم یدرکه الموت فقد وقع أجره علی الله } النساء ١٠٠
من یخرج من بیت نفسه ویهاجر إلی الحق في الرحلة المعنویة، ثم یدرکه الفناء التام ، کان أجره علی الله تعالی..
إنّ مثل هذا المسافر لا یستحق أجرا ولا مکافأة ، إلا مشاهدة الذات المقدسة والوصول إلی الفناء في حضرته.
سئل رسول الله(ص) عن شرح قوله تعالی:" فمن یرد الله أن یهدیه یشرح صدره للإسلام"، قال:« التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلی دار الخلود، والإستعداد للموت قبل نزوله ».
إنّ الأنبیاء والأئمة(ع)، كانوا یدمنون البکاء علی مرّ السنین علی إشتغالهم بالمباحات: من قبیل الأکل والشرب والنکاح.. کانوا یبکون خوفا من أن یکون إشتغالهم بالمباح، مانعا لهم من الوصول إلی الدرجات العالیة في جوار ربّ العالمین ومسقطا لهم من رتبة المقربین !
" إنّ المُنعّم المترف لا یصل إلی الحبیب، فالعشق من شیم الرجال الذین یتحملون البلاء " !
إعلم بأنک قد بدأت سفرک نحو هدف وغایة، فعلیک بقوة الإرادة والعزم علی الوصول إلی الهدف، ألا وهو رضی المحبوب سبحانه!
فسارع في المجاهدة واجتثاث المفاسد التي فیک، قبل استفحال الأمر والتمکن فیک أکثر.
تمعن: إنّ الشجرة المغروسة حدیثا، تنقلع بضغط قلیل وبلا تعب، فما کان جذره أصغر وأغضّ، کان ألمه وعذابه أقل. ولکن إذا مرّ علی هذه الشجرة سنوات، ضربت بجذورها في أعماق التربة ونشبت مخالبها الأصلیة والفرعیة في باطنها واستحکمت، فقلعها عندئذ یحتاج إلی فأس لیقطع جذورها ویکسرها..
ولو کان للشجر إحساس بالألم، فکم سیکون عناءه ؟!
أتروض عرسك بعد ما هرمت..........ومن العناء رياضة الهرم!
کذلک إذا تقاعست وأبطأت في مساعیک لاقتلاع جذور المفاسد من قلبک وروحک، إزداد تعبک وعنائک في اجتثاثها فیما بعد!
إنّ أفضل علاج لدفع المفاسد الأخلاقیة، هو أن تأخذ کل واحدة تراها في نفسک علی حِدَة ، وتنهض بعزم علی مخالفة النفس وتعمل عکس ما ترجوه منك .
إنّ هذه الجوارح والجوانح التي وهبها لک الله سبحانه وتعالی، هي أمانة في عنقک، فإذا ما استعملتها ـ لا سمح الله ـ علی خلاف رضا الحق فقد خنت الأمانة !
تصور: لو أنّ طفلا صغیرا أخبرک مثلا بأنه وقع حریق في بیتک ـ لا سمح الله ـ أو أنّ إبنک غرق في الماء.. ماذا کنت تفعل؟ هل کنت تواصل في عملک ومرحک بکل إطمئنان وراحة بال، أم أنک تهرول مسرعا للتثبت في الأمر؟!
فما الذي حصل لک إذن یا مسکین؟ رغم کل هذه الآیات والآخبار والبراهین والمواعظ.. إلا أنها لم تؤثر فیک تأثیر خبرعن طفل صغیر؟!
لو أنها أثرت فیک، لسلبت الراحة منک، ولمَا أعمی دخان الشهوة والغضب عین قلبک، وأصمّ سمعک عن سماع صوت الحق !!
قال الله تعالی:{ ولقد ذرأنا لجهنم کثیرا من الجن والإنس لهم قلوب لا یفقهون بها ولهم أعین لا یبصرون بها ولهم آذان لا یسمعون بها أولائک کالأنعام بل هم أضل أولائک هم الغافلون} الأعراف١٧٩
علیک أن تدرک دائما وأبدا وفي جمیع الحالات، ضعتک وحقارتک، هذا أولا، وثانیا عظمة رب الأرباب وملک الملوک سبحانه وتعالی، حینها ستفهم بأنّ التجرؤ والعـصیان في محضر مثل هذا السلطان العظیم الشأن، هو أمر في منتهی الشناعة والقبح والشقاوة !
أنسیت من أنت؟ ومن أین أتیت؟ أنت خلقت من نطفة لو مستها یدک لآستقذرتها ولتطهرت منها یا مسکین !!
ما هذا التواني؟ أنسیت الموت الذي لا بد من الورود علیک علی حین غفلة، فیهدم أرکان لذتک ویخرب بنیان غرائزک ؟!
قال النبي(ص):« من تذکره في الیوم واللیلة عشرین مرة ، یحشر مع شهداء احد ».
فإذا کنت مسافر حقا، فهیّأ الزاد والعتاد فإنّ السفر طویل، وتفکر في حال من کان معک بالأمس أین هو الآن ؟ لقد انتقل من أنس العشرة إلی وحشة الهجرة ، ومن فسحة الدار إلی ضیق القبر، ومن الترف والتنعّم وحسن الصورة ، إلی قبح المنظر وسوء المآل.
وإن شِـئت فاسأل قبره :
بالله یا قبر، هل زالت محاسنه وهل تغیّر ذاک المنظـُـرُ النـّظرُ؟
فسیقول لک: لقد تبددت عظامه عن بعضها مفصلا مفصلا، وأفنت الدیدان لحمه وشحمه !
لا تنسى بأنّ بین الموت والقیامة ألف ألم وحزن.. أیسرها نزع الروح ومرارة الإحتضار، وصولا إلی شمس تلهب فوق الرؤوس وأرض أحمی من فرن الحداد !
قال الإمام علي(ع):« الناس نیام ، فاذا ماتوا انتبهوا ».
وقال النبي(ص):« یحشر بعض الناس علی صور تحسن عندها القردة والخنازیر».
« إننا شفعائکم یوم القیامة ولکن تزودوا لبرزخکم ».
تمعّـن: لو أنّ نارعالم الدنیا بأسرها اجتمعت بعضها فوق بعض، فلن تقدر علی إحراق فؤاد الإنسان، لأنّ الفؤاد من مراتب الملکوت ولا تصل النار الملکیة إلیه !
أما نار جهنم ـ أجارنا الله منها ـ فهي محیطة بالباطن أکثر من إحاطتها بالظاهر، إذ کما تحرق الجسم بظاهره وباطنه، کذلک تحرق الروح والفؤاد !
قال سبحانه وتعالی:{ إنّ الذین کفروا بآیاتنا سوف نصلیهم نارا کلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غیرها لیذوقوا العذاب } النساء٥٦
قال أمير المؤمنين(ع):« حرام علی کل نفس أن تخرج من الدنیا، حتی تعلم أنها من أهل الجنة هي أم من أهل النار».
في البرزخ، الذي هو عالم وسط بین هذا العالم وعالم القیامة، تنفتح علی الإنسان کوة من الجنة أو من النار..
ساعة المعاینة عند الموت، تنکشف لک بعض مقاماتک وأحوالک، فإن کنت ـ یا أبوتقوی ـ من أهل هذه النشأة وتخدّرت من سکر الطبیعة.. فواحسرتک! وامصیبتک !
وإن کنت من أهل الآخرة ، فوابشراک! واسعداک!
كان الصلحاء يتخذون من أسلوب التذكر بالموت وما بعده وسيلة لترويض أنفسهم وتعميق التقوى في قلوبهم، عملاً بقول الإمام علي(ع):« أكثروا ذكر الموت فإنه هادم اللذات ».
وكان فيهم من حفر لنفسه قبراً في منزله، وكفنه دائما على سجادة صلاتهً.. وعندما يقوم لصلاة الليل، يلبس الكفن ثم ينزل داخل القبر ويحدّث نفسه قائلاً: يا فلان، إعتبر نفسك الآن ميتاً، وهذه حفرتك التي يدفنونك فيها شئت أم أبيت.. قل لي: من يفيدك هنا غير عملك الصالح؟!.. فلِمَ لا تستزيد منه، ولماذا تغفل عن مصيرك هذا، ولِمَ لا تمهّد لرقدتك هذه.." يردّد هكذا ويكرّر ويبكي، ثم يتلو الآية الشريفة:{حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب إرجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يُبعثون} المؤمنون ٩٩
ثم يوبّخ نفسه قائلاً: اسكت، إنك لا تستحق العودة إلى الحياة فقد ضيعت الفرص التي منحها الله إياك، ولكنه يعود ويلتمس ويتعهد أن يعمل صالحاً فيقول لنفسه: " قم واخرج، لقد سمحنا لك هذه المرة بالعودة..! وإياك أن تعود إلى حفرتك وأنت خالي اليدين من الباقيات الصالحات".
وهكذا يقوم خارجاً من القبر مؤتزراً كفنه، وهو يشكر الله على منحه فرصة الحياة، ونعمة العودة لاكتساب الحسنات.!
لذلك، یحسن بک بین فترة وأخری، أن تفترض نفسک قد نزل بک الموت علی حین غفلة، ثم أذن لک بالخروج من القبروآستئناف الحیاة من جدید، ولکن(بکفالة مضمونة)، وذلک حتی تعوض عن تقصیرک.. فتری مدی إستعدادک لمواجهة ذاک المصیر المهول.. قال الله تعالى:{ ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فآرجعنا نعمل صالحا إنا موقنون } السجدة ١٢
والمطلوب من العبد في مثل هذه المراجعة، هو تصفیة حقوق الخلق والإنابة إلی الخالق جل جلاله، ولیذکر بأنّ التصفیة عند الإحتضار وفي البرزخ هي أمر وأدهی.. وقد عبرعنه الإمام الهادي(ع) بالحمام !
فالأولی بالعبد أن یدخل الحمام بنفسه قبل الموت، لئلا یجبر علی دخولها بعد الموت بما في ذلک من ذل وقسر وطول مکث !
فکم ستکون تعاستک ـ یا أبو تقوی ـ یوم یرفع حجاب الطبیعة عن بصرک، وتعاین أنّ کل ما مشیت وسعیت له کان في طریق شقاوتک!
قال رسول الله(ص):« القبرإمّا روضة من ریاض الجنة ، أو حفرة من حفر النیران ».
وقال الصادق(ع):« یسلـّط علی الکافر في قبره تسعة وتسعون تنینا، لو أنّ تنینا منها نفخ في الأرض، لم تنبت زرعا ».
إنّ أهل المعرفة یقولون بأنّ المؤذیات التي تتسلط علی الإنسان في القبر، هي ظهور ملکوت الأخلاق الذمیمة التي للإنسان في دار الدنیا.
وجهنم ما هي إلا رحمة في صورة الغضب لبعض الذین لهم إستعداد للوصول إلی السعادة، ولولا التخلیصات والتطهیرات التي تحصل بالإبتلاءات في دار الدنیا.. ثم التطهیرات في عالم البرزخ.. لما رأی الناس وجه السعادة أبدا !
قال أمير المؤمنين(ع):« ما من عبد أسرّ خیرا فذهب الأیام أبدا حتی یظهر الله له خیرا، وما من عبد أسرّ شرّا فذهب الأیام أبدا حتی یظهر الله له شرا ».
ما أقبح العبد الذلیل المستغرق في النعم الإلاهیة آنا فآنا، والماثل في محضر الحق سبحانه{ وهو معکم أینما کنتم }، ومع هذا یهتک حجاب الحیاء ویمتطي صهوة الجرأة علی الله تبارک وتعالی، ویرتکب المناهي في حضرة ملک الملوک وسلطان السلاطین !
إنّ سلیمان(ع) ما تمکن من تسخیر الإنس والجن إلا بعد ما هزم في وجوده الشریف، العسکر المشؤوم المتکون من نفسه (الأمارة) ومن إبلیس، وسلـّـط جند العقل علی حصن القلب الحصین..
إذا بغیت لنفسک الخلاص، فعلیک بالایمان الصادق.. لأنک ما لم تکتب الکلمة المبارکة ( لا الاه الا الله ) بقلم العقل علی لوح القلب الصافي ، فلست بمؤمن !
ومثل الإیمان، کإنسان حمل مصباح وسلک طریقا مظلما ، کلما تقدم خطوة ، أضاء أمامه للخطوة اللاحقة .
إعلم یا أبوتقوی، أنّ أعمالک کل یوم وکل صباح وکل مساء تعرض علی النبي(ص) وعلی الأئمة(ع) وخاصة صاحب العصر(عج).
فآستحیي یا مسکین أن یجدوا صلوات الله وسلامه علیهم ولو سیئة واحدة من سیئاتک فیتأذوا منها !
عن أبي عبدالله(ع) في وصيته لإبن جندب(رض):« يا ابن جندب، حق على كل مسلم يعرفنا أن يعرض عمله في كل يوم وليلة على نفسه ، فيكون محاسب نفسه ، فإن رأى حسنة إستزاد منها، وإن رأى سيئة إستغفر منها ، لئلا يخزى يوم القيامة ».
علی الإنسان أن يسعى لإصلاح نفسه حتی وإن تقدمت به السن، فلا ییأس من إستئصال جذور هذه الشجرة الخبیثة التي مدت بعروقها إلی أعماقه.
طبعا سیتعب أکثرـ کما قلنا ـ كما لو کان شابا أو طفلا، ولکن بشدة الریاضات النفسانیة وکثرتها ومشقة الریاضات الروحیة وبتوفیق من الله وعونه ، سیصل إلی تحقیق غایته ونیل منیته.
الناس إستطاعوا ترویض السباع والصقور، وأنت يا مسكين عاجز حتی عن ترویض نفسک التي بین جنبیک ؟!
لإصلاح نفسك، علیک بما يلي:
الأعمال القلبیة: وهوتخلیص القلب من الحجب الطبیعیة ، وأهمها حب الدنیا وحب النفس والإعجاب بها.
الأعمال القالبیة: وهو الإشتغال بالعبادات والأذکار والأوراد وتلاوة القرآن مع حضور القلب.
إنّ عمر الآخرة لا نهایة له، والإنسان خلق للحیاة الأبدیة، وقد جعل الله هذه الدنیا مزرعة للآخرة ، فتصور لو أنّ هذا العمر القصیر، استغرقناه فقط في العبادة بحیث لم نعص الله فیه طرفة عین، ولم نصرف مقدار نفس من الأنفاس إلا في طاعة الله سبحانه، فإنه حتما قلیل جدا ولا یقارن مع الحیاة الأبدیة هناک !
كان من دعاء السجاد(ع):« اللهم إجعل همسات قلوبنا وحرکات أعضائنا ولمحات أعیننا ولهجات ألسنتنا، في موجبات ثوابک».
« إلاهي.. وأستغفرک من کل لذة بغیر ذکرک, ومن كل راحة بغير أنسك, ومن كل سرور بغير قربك, ومن كل شغل بغير طاعتك». !
علی طالب الوصول إلی الحق أمور:
( التخلیة): وهي واجبة ومن باب المقدمة ، وهي تطهیر القلب وتنظیفه من الأنجاس(الأخلاق الرذیلة)، بل تطهیره من کل شيء سوی الحق جل جلاله ، فلا یکون له شغل إلا بالقلب والمعشوق المستولي علی القلب. وهذه هي « التخلیة ».
( التجلیة والتحلیة): بعد أن تزین القلب وتصقله بالطاعات والعبادات والصفات الحسنة والأخلاق الکریمة ، یصبح لقلبک القابلیة لظهور وحضور حضرة الحق جل وعلا فیه. وهذه هي «التجلیة والتحلیة ».
{ إنما یرید الله لیذهب عنکم الرجس أهل البیت ویطهرکم تطهیرا}.
إنّ الإحساس بالتجلیات الإلاهیة، نعم العون علی المسیر. فإنّ العبد کلما کـُــشف له الغطاء، إزداد شوقا لما أجلی وأحلی إذ لا تکرار في التجلي.. فلکل إطلالة من عالم الغیب ، بهاء وجذب خاص للعبد تختلف عن سابقتها..
ومن هنا فإنّ الأولیاء المتنعمین بلذة التجلیات، لا یکاد ینتابهم ضیق في الحیاة بکل مرارتها، لأنّ لذة الوصل ینسیهم ألم کل فراق!
علیک بترک ما سوی الله وتخلیة القلب من کل ما یصدک عن ذکره جل شأنه ، إلا بمقدار الضرورة وأداء الواجب!
فضلاعن إجتناب المحرمات والمکروهات، علیک أیظاـ إن قدرت ـ ترک المباحات، لأنّ الله لا یحب لعبده أن ینشغل عنه بسواه !
إحتط من نفسک، وانظر إلیها نظرک إلی الخائن، فلا تأمنها لا سیما إذا وجدتها تلح علی مطلب إلحاحا شدیدا ، فاعلم أنّ لها غرظا في تـلک النقطة فلا تغفل.
قال الصادق(ع):« شیعتنا ، أصحاب الإحدی وخمسین رکعة ».
فعلیک بالمحافظة علی الخمسین رکعة (الفرائض والنوافل)، فهي من السنن المؤکدة، مع رکعتي «الغفیلة» بعد المغرب ورکعتین من جلوس بعد صلاة العشاء وهما رکعتي«العتمة» بدیلا الوتر.
قال النبي(ص):« لولا أن أشق علی أمتي، لأمرتهم بالسواک عند وضوء کل صلاة ».
وقال أبي عبد الله(ع):« صلاة رکعتان بالسواک، أفضل من سبعین رکعة بغیر سواک ».
السواک والعطر من المستحبات المؤکدة في الصلاة، فلا تغفل.
إذا نویت قیام اللیل، فآجعل أول اللیل وقت نومک ما أمکنک، فلا تسهـر بلا فائدة فیفوتک آخر اللیل، ولیکن ذلک علی ما ذکر في آداب النوم ومنها: النوم علی طهارة ، تسبیحات الزهراء(ع)، قراءة التوحید ثلاثا، قراءة سورة التکاثر، الإستغفار، النوم علی الجنب الأیمن مستقبلا جهة القبلة، وقراءة آخر آیة من سورة الکهف لأجل الإستیقاظ لصلاة اللیل..
{ الله یتوفی الأنفس حین موتها والتي لم تمت في منامها } .
ولا تنسى بأنّ « النوم أخو الموت ».
فعندما تتهیأ للنوم ـ الموت الأصغرـ تهیأ لتسلیم الروح لحضرة الحبیب جلت عظمته، وقل: إنّ هذه الروح أودعها الحبیب عند أبو تقوی، وسأری طلعته یوما فأسلمها له.. واشـتغل بالتوجه إلی حضرة الحق وتسلیم نفسک إلیه حتی یختطفک النوم .
فإذا استغرقت في النوم کنت في قبضة قدرته تعالی اسمه، فإن هو لم یعد الروح إلی البدن، فهو الموت الحقیقي کما قال في الآیة الشریفة: { فیمسک التي قضی علیها الموت ویرسل الأخری إلی أجل مسمّی}.
فإذا أنت قمت من نومک، أسجد سجدة الشکر وآذکر نعمة العودة للحیاة وآحمده علی إعطائک فرصة أخری، ولا تنسی أنّ الآلاف تمنوا أن یستجیب الله لهم في ذلک{ رب ارجعون لعلـّي أعمل صالحا فیما ترکت}.. فلم یسمعوا جوابا سوی قوله:
{ کلا إنها کلمة هوقائلها } !
خصص وقـتا لقراءة نصیب من القرآن کأوائل سورة الحدید وأواخر سورة الحشر.. وذلک في أواخر اللیل أو بین الطلوعین مع الطهور وحضور القلب.
أحیي قلبک بالذکر المبارک( یا حي یا قیوم ) و( لا الاه إلا الله) وبالدعاء الیونسي:(لا إلاه إلا أنت سبحانک إني کنت من الظالمین). فإنه مفید للترقیات الروحیة ، ویُرجی أن یأخذ الله سبحانه بیدک وتری لقلبک تغیرا وصفاء وطهرا لا عهد لک بهما.
علیک بالسجدة الطویلة، فإنّ هناک من کان یسجد هذه السجدة ویردد هذه الأذکار الشریفة ألف مرة !
وهناک من کان یسجد هذه السجدة بعد صلاة الصبح، ولا یرفع رأسه من السجود إلا عند زوال الشمس .
وكان العابد الجليل بن فضال، یخرج إلى الصحراء ویبقی ساجدا بالساعات ، فتأتي الطیر فتقع علیه والوحوش ترعی حوله ، ولا تنفر منه بل تستانس به..!
" لو علم المدبرون کیف اشتیاقي لهم ، لماتوا شوقا " !!
علیک بصیام ثلاثة أیام من کل شهر کما في الحدیث، أول الخمیس (وهو یوم عرض الأعمال)، الإربعاء الأول من العشرة الثانیة (هو یوم نحس)، ثم الخمیس الأخیر(یوم عرض الأعمال أیظا).
واضب تمام المواضبة علی تلاوة دعاء الغیبة، ودعاء الفرج ، وزیارة عاشوراء، والزیارة الجامعة الکبیرة، والمناجات الخمسة عشرة.. وعلی دوام الإلتفات إلی الإمام المهدي(عج) والتوسل به، لأنه هو واسطة الفیض في هذا العصر، ولا تغفل أن تهدي إلیه من حين إلى حين صلاة ركعتين مثلا، أو ختمة للقرآن الکریم..
إسمع إلیه وهو یدعو لشیعته:
« اللهم إنّ شیعتنا منا خلقوا من فاضل طینتنا، وعجنوا بنور ولایتنا، فولنا أمورهم، واغفر لهم ما فعلوه من ذنوبهم إتکالا علی محبتنا، وإن خفـّت موازینهم، فثقلها بفاضل حسناتنا ».
واضب على إخراج صدقة الیوم حتى وإن کانت شیئا یسیرا.. وعلى أن تکون دائما علی وضوء: فإنّ الطهارة الظاهریة توجب الطهارة الباطنیة.. وجدد الوضوء مع کل حدث.
قال المصطفى(ص):« یقول الله تعالی: من أحدث ولم یتوضأ فقد جفاني، ومن أحدث وتوضأ ولم یصل رکعتین، فقد جفاني، ومن أحدث وتوضأ وصلی رکعتین ودعاني ولم أجبه فیما دعاني من أمر دینه ودنیاه فقد جفوته، ولست برب جاف ».
واضب علی أن یکون لک في کل یوم ساعة للخلوة مع الله جل جلاله، بالمناجاة والتـفکر والتبتل والخضوع والخشوع إلیه، وأشعر قلبک الحزن في جمیع حالاتک، وحافظ علی صلاة رکعتین بعد کل وضوء ، ولا تغفل طوال النهار عن الإستغفار والتهلیل والتسبیح والصلاة علی النبي وآله الأطهار.
واضب على قراءة سورة القدر مائة مرة في کل من لیلة الجمعة وعصرها.
إذا عصيت الله في موضع، فلا تبرحه حتى تعمل فيه طاعة لما يشهد عليك يشهد لك، وكذلك ثوبك إذا عصيت الله فيه، وكذلك ما يفارقك منك من قص الشارب وحلق عانة وقص أظفار.. لا يفارقك شئ من ذلك إلا وأنت على طهارة وذكر لله، فإنه مسؤول عنك كيف تركك..!
راقب لسانک واجعل فمک موضع العطر وماء الورد لا موضع القمامة، وراقب سمعک وبصرک ولا تلطخ تلک الجوارح بقاذورات المعاصي، وحذار من هتک وخرق ستر الغیر والفحش في القول وعدم الحیاء.. واطلب العفة والحیاء والخجل.
إنّ کلمات اللغو الغیر مفیدة والقبیحة ، هي مضرة بحال الروح جدا وتسقط عن النفس الصفاء والصلاح والسلامة والوقار والطمأنینة والسکون.
إنّ نظرة واحدة من الإنسان إلی غیر محرمه أو عثرة صغیرة للسانه، یذهب بحلاوة العبادة وذکر الله من ذائقة الروح، ویضعف الإیمان ویمیت القلب ویوجب سوء ظن الناس به ویسقطه من أعینهم، ویحجبه عن سرائر التوحید وحقائقه مدة طویلة، وتمنعه من حصول جذبات المحبوب وخلوات المطلوب!
إنّ صغیر الذنوب بمثابة طعم لصید أکبر.. فالسمکة الکبیرة تصطاد بدودة صغیرة ، والعبد قد یدخل السجن الکبیر من الباب الصغیر..
" إنّ من حام حول الحمی، أوشک أن یقع فیه ".
وما یـُبنی في سنوات بالصیام والقیام.. ممکن أن یسقط في لحظة بکلمة أو نظرة .
حاول الفرار من أکل الحرام أوالذي فیه شبهة، لأنه سیتحول إلی جزء من کیان بدنک، فالخبیث لا یصدر منه الطیب. وهذه هي إحدی أسباب فتور الأعضاء عن العبادة.
علیک بالوضوء قبل الطعام ولا تأکل عما زاد عن حاجتک .
قال رسول الله(ص):« من قلّ أکله ، قلّ حسابه » !
وقال علي(ع):« إیاکم وفضول المطعم، فإنه یسم القلب بالفضلة، ویبطيء بالجوارح عن الطاعة، ویصم الهمم عن سماع الموعظة ».
ینبغي أن تکون معیشتک کلها من الحلال الطیب، بدءا من اللباس والفراش.. حتی آنیة الوضوء والسواک والمشط..
لا تحم حول الحرام والمشتبه وحتی المباح: قولا وفعلا وحالا وخیالا واعتقادا.. کي تحصل لک الطهارة الصوریة والمعنویة إنشاء الله تعالى .
" لن یقبل عمل رجل علیه جلباب من حرام ".
" ترک لقمة حرام، أحبّ إلی الله من ألفي رکعة تطوعا ".
قال الصادق(ع):« إنما شیعة جعفر من عفّ بطنه وفرجه واشتد جهاده وعمل لخالقه ورجی ثوابه وخاف عقابه. فإذا رأیت أولائک، فأولائک شیعة جعفر ».
قال الإمام الباقر(ع):« ما من عبادة أفضل من عفة بطن أو فرج ».
لا تغفل عن حبیبک في آن من الآنات، فلا بد أن یکون قلبک دائما معه، ألا تری الحکام الظاهریین تکون قلوبهم في العاصمة أینما حلوا ؟!
طبعا مذهب العاشق یختلف عن باقي المذاهب !
طلبک للمحبة مع الغفلة وارتکاب المعصیة، سببا للنفرة !
فالزم الأدب في مقدس حضرته وراع حرمة شریف حضوره، بحیث لا یغیب عن نظرک کما أنت لا تغیب عن نظره، واعبده کأنک تراه فإن لم تکن تراه فإنه یراک، واذکر دائما عظمته وحقارتک، ورفعته ودنائتک، وغناه وفقرک.. وتبصبص تحت قدمیه بصبصة الکلب النحیف، ولا تأذي بآثامک ونتن أعمالک عماله الکرام الکاتبین .
ألا تستحیي یا مسکین؟!
واعلم في تمام الأوقات لیلا ونهارا نوما ویقظة، وفي کل الأحوال وفي جمیع الحرکات والسکنات، أنّ حضرة الحق سبحانه وتعالی حاضر وناظرإلیک { ویعلم خائنة الأعین وما تخفي الصدور} !
فلا تغفل عن حضوره جلّ سلطانه آنا من الآناء ولو طرفة عین.
وبهذه الطریقة ستنزجر نفسک ـ إنشاء الله ـ عن السعي فیما یخالف رضاه سبحانه ، إمّا حیاء أو خوفا !
قال النبي(ص):« يا أبا ذر، إستحي من الله، فإني- والذي نفسي بيده- لأظل حين أذهب إلى الغائط، متقنعا بثوبي إستحياء من الملائكة الذين معي » !
علی المؤمن أن لا یغفل عن خالقه حتی في قمة فوران شهوته، والمتمثلة في أعلی صورها بلحظة مجامعة المرأة !
إذا کنت في نعمة فارعها..........فإنّ المعاصي تزیل النعم !
لو تعمق في نفس الإنسان، الإحساس بالمعیة الإلاهیة، لما إنتابه شعور بالوحدة والوحشة أبدا. بل ینعکس الأمر إلی أن یعیش الوحشة مع ما سوی الحق، خوفا من صدهم إیاه عن الأنس بالحق.. فعلی الإنسان أن یحقق في نفسه الشعور بالمعیة الإلاهیة في ساعات الدنیا، حتی لا یعیش الشعور بالوحدة القاتلة في ساعات ما بعد الحیاة الدنیا، والتي تعظم فیها الوحشة إلی یوم القیامة.
یجب أن نجهد أنفسنا أیظا علی هیمنة الإیمان علی ظاهرنا ، حتی یتجذر الإیمان في القلب ولا یزول أمام أيّ عائق إلی حین تسلیم هذه الأمانة (القلب الطاهر الملکوتي) إلی الذات المقدسة من دون أن تمتد إلیه ید الشیطان اللعین .
قال الإمام الصادق(ع):« القلب السلیم، الذي یلقی ربه ولیس فیه أحد سواه ».
وقال أیظا(ع):« القلب حرم الله تعالی، فلا تدخل حرم الله غیر الله».
وبخصوص:{ فاخلع نعلیک إنک بالواد المقدس طوی } قيل بأنه منعه من محبة الأهل والأولاد !!
فإذا کان لک هوی الدخول في وادي العشق والمحبة، فلا یمکن ذلک مع محبة الغیر .
" عندک قلب واحد، فلیکن لدیک حبیب واحد ".
{ وما جعل الله لرجل من قلبین في جوفه }.
{ ألیس الله بکاف عبده } !
تلک هي السعادة الحقیقیة ـ ولکن أبو تقوی المسکین ـ یهتم بالأمور الدنیویة الزائلة، ویری کل یوم كيف أنّ أهل الدنیا یترکونها ویذهبون متحسرین، وهو یواجه کل ذل ومشقة ومحنة لجمعها وتحصیلها.. ولکنه کسول لتحصیل الإیمان، الذي هو حقا السعادة الأبدیة الخالدة !
لا تیأس إن أبعدک الحبیب، فلو طردک الیوم فعساه یدعوک غدا، ولو أوصد في وجهک کل الأبواب والمعابر، فسیفتح لک بابا لا یعلم به أحدا غیره !
ولو صفق الأبواب في وجهک، فلا تغادره واصطبر فسیجعلک بعد صبرک.. تتصدر المجلس !
وحین یحز القصاب بخنجره رأس الکبش، فإنه یسقي ضحیته ویجرها إلیه !
وحین ینقطع نفس الکبش، فإنّ القصاب سینفخ فیه من نفسه هو.
فانظر أین سیوصلک نفس الرحمان؟!
لا تقل لن یؤذن لنا بدخول هذا الباب، فالتعامل مع الکرماء لیس عسیرا، إنه تعالی یبحث عن ذریعة لیعطي.. ودأبه ودیدنه أن یعطي بلا مقابل.
"عطائه لا یشترط القابلیة في العبد". یکفي مجرد التوجه !
« لو کسرت التوبة مائة مرة ، فعد من جدید ».
إعلم أنّ في الفراق، رجاء(الوصل)، وخاصة إذا اشتد ألم الفراق وطال زمان الهجران. وفي الوصل خوف (الفراق). وهناک من کان یحبذ حالة (الفراق) علی حالة (الوصل)، لأنّ عند الإضطراب في بحر(الفراق) یشتد التضرع والأنین.. وعند (الوصل) حیث الإحساس بالوصول إلی شاطیء الأمان، یسکن القلب ویقل الطلب!
فالله یجري قاعدتي« القبض والبسط »علی قلب عبده بمقتضی حکمته الغالبة.. وعلیه فلا تقل بأنّ الإقبال خیر من الإدبار، لأن بالثاني یدفع حالة العجب المهلکة. وأنین المذنبین قد یکون أحب إلیه من تسبیح المسبحین !!
تمسک بالخلوات وأصرّ إصرارا وبصبص حتی یحن ویتعطف علیک.
وإن أمر بطردک، فقل بمنطق عذب: لن أرحل عن دیارکم إلی سواها، فإن طردتموني من باب عدت من باب آخر!
وإن عبس في وجهک، فتوسل إلیه متبسّما، وإن أعرض عنک، فآهرع خلفه متبصبصا. فإن یئست منه فالتجئ إلی أمناء دولته!
وإن قال: من جرّئک علی مثل هذا الکلام؟ فقل: حلمک جرّأني.
وإن قال: من أین تعلمت هذا البیان؟ فقل: إنّ البلبل إنما تعلم الکلام من الورد، وإلا فإنّ کل الکلام والشـعر لم یکن معبئا في منقاره!
الحاصل: لا تترک التسول کي لا تفتقر أبدا، فإنّ الکثیر من الغنائم، لا تنال إلا بالتذلل والمسکنة والتسول..
لا تنسی أنّ کل من طرق بابا وألحّ في الطرق، فتح له في الخاتمة.
" من دق بابا ولجّ ، وَلجَ ".
أمّا لو کففت عن الطرق والطلب وترکت الإستمرار في الإشتغال
ـ لا سمح الله ـ فإنّ الشیطان سیتسلط علیک بعد الرجوع والنکوص، فلا ینفعک حینذاک دواء ولن یبریء جراحک بلسم !!
وفي الآخرة:{ من وراءه جهنم ويسقى من ماء صديد، يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذات غليظ } أجارنا الله .
إعلم ـ یرحمک الله ـ أنّ هذه المسائل وسواها من مسائل الآخرة ، لیست بالتعلم، بل هي شراب.. فالتضرع والإبتهال ینبعثان من ألم القلب وحرقته.. فجد ألما فإنه یوفر لک التضرع والإبتهال.
" أقل بحثک عن الماء واظمأ، ینبع لک الماء من المرتفعات والودیان ".
قال الإمام علي(ع):« فهم والنار کمن راها ، فهم فیها معذبون ».
إجعل بناء أمرک وتوطین نفسک، علی عدم التسامح والتساهل في جزئي ولا کلي.. فاعمل الخیر حتی وإن کان جزئیا حقیرا، واجتنب الشر حتی وإن کان جزئیا حقیرا .
قال عز من قائل:{ فمن یعمل مثقال ذرة خیرا یره ، ومن یعمل مثقال ذرة شرا یره }. لأنّ هذه الجزئیات عند المواضبة علیها وترک التسامح والتساهل فیها، تفید الترقي والوصول إلی المقامات الرفیعة العالیة، وقد جعلها الله سبحانه وتعالى مفاتیح لتلك الخزائن..
ومن یقبض مفاتیح تلك الخزائن بیده ، إستغنی وفاز فوزا عظیما !
« لا تستحقروا طاعة، فربما کان رضاء الله تعالی فیها، ولا تستحقروا معصیة، فربما کان سخط الله فیها ».
علیک أن تستوحش من جمیع الخلق حتی من أوثق إخوانک، وذلک أنسا بالله تعالی..لأنّ المؤمن إذا أنس بألطاف الله وذاق طعم حلاوة ذکر الله ، یلزمه الوحشة من مفارقة هذه الحالة، فلا یرضی من مفارقتها.
« المؤمن حزنه في قلبه ، وبشره في وجهه ».
إعلم أنّ الجالس مع قوم ـ لا سیما قوم سوء ـ إنما یبذل لهم ما هو أهم من المال، وهو ساعات لا تثمن من عمره. فکما یبخل الإنسان بماله، فالأجدر به أن یبخل ببذل ساعات من عمره للآخرین من دون عوض.. وتعظم المصیبة إن کان ذلک في سخط الله سبحانه !
یجب أن تجبر تخلفک عن رکب السائرین إلی الحق، بالخلوات من حین إلی حین، وهجران الأغیار حتی النفس.. وأفضل مواضع الخلوة هذه هو السجود، الذي یمثل الذروة في ترک الأغیار والذي منه انشقت مسیرة السعادة والشقاء.
یجب علیک التکرار والتکرار المستمر للأوراد والأذکار.. وذلک لأنّ تأثیرها في الروح بطيء وقلیل جدا، حیث أنها مخالفة لشهوات ولذات النفس.
قال الله تعالی:{ أومن کان میتا فأحییناه وجعلنا له نورا یمشي به في الناس کمن مثله في الظلمات لیس بخارج منها } الأنعام ١٢٢
والحمد لله رب العالمین، وصلی الله علی محمد وآل بیته الطاهرین الطیبین.

الـدعـــــــاء

قال الله تعالی:{ وقال ربكم أدعوني أستجب لكم إنّ الذین یستکبرون عن عبادتي سیدخلون جهنم داخرین } غافـر٦٠
إنّ الدعاء عبادة: إذ يمارسه الإنسان في جميع حالاته ، لأنه يترجم عمق الصلة بين العبد وبارئه ، ويعكس حالة الإفتقار المتأصلة في ذات الإنسان إلى الله سبحانه ، والإحساس العميق بالحاجة إليه والرغبة فيما عنده . فالدعاء مفتاح الحاجات ووسيلة الرغبات، وهو الشفاء من الداء ، والسلاح في مواجهة الأعداء ، ومن أقوى الأسباب التي يستدفع بها البلاء ويرد القضاء .
قال رسول الله(ص):« إفزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجؤوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه وادعوه ، فإنّ الدعاء مخ العبادة ، وما من مؤمن يدعو الله بدعاء إلا إستجاب له ، فإما أن يكون يعجل له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر به عن ذنوبه بقدر ما دعا ، ما لم يدع بمأثم ».
الدعاء في الشدة والرخاء: لا يجب أن ينحصر الدعاء فقط في وقت الشدة والإضطرار، بل يجب أن يكون في جميع الأحوال . قال تعالى:{ وإذا مس الإنسان الضرّ دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مرّ كأن لم يدعنا إلى ضر مسه } يونس ١٢
قال أمير المؤمنين(ع):« ما من أحد إبتلي وإن عظمت بلواه ، أحق بالدعاء ، من المعافى الذي لا يأمن البلاء ».
آداب الدعاء وشروطه: لقد حدد الإسلام آدابا وقرر شروطا للدعاء، لا بد للداعي أن يراعيها كي يتحقق مطلوبه من الدعاء، والتي إذا أهملها، فلا تتحقق له الإستجابة المرجوة من الدعاء ولا تحصل له نورانية القلب وتهذيب النفس وسمو الروح المطلوبة في الدعاء:
الطهارة: يجب أن يكون الداعي على وضوء.
الصدقة ومس شيء من الطيب.
الصلاة: يستحب أن يصلي الداعي ركعتين قبل الشروع بالدعاء
البسملة: أن يبدأ الداعي دعاءه بـ:« بسم الله الرحمن الرحيم ».
الثناء على الله تعالى: أن يحمد الله ويثني عليه ويشكر ألطافه ونعمه ويمدحه ويمجده على حسن آلائه قبل الشروع في الدعاء.
الدعاء بأسماء الله الحسنى: خصوصا في حال السجود { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها }، وقال بعض أهل العلم: ينبغي للداعي أن يذكر من أسماء الله الحسنى، ما يناسب مطلوبه .
الصلاة على النبي وآله: قال(ص):« لا يزال الدعاء محجوبا حتى يصلى عليّ وعلى أهل بيتي ».
التوسل بالنبي(ص) وبأهل البيت(ع)، وبالملائكة والأنبياء..الخ
الإقرار بالذنوب: على الداعي أن يعترف بذنوبه ، مقرا مذعنا تائبا عما إقترفه من خطايا وما إرتكبه من ذنوب .
حسن الظن بالله تعالى: قال(ص):« أدعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة ». وقال الصادق(ع):« إذا دعوت فأقبل بقلبك ، وظن حاجتك بالباب ».
الإقبال على الله: وهو أن يقبل عليه سبحانه بقلبه وروحه وشراشير فؤاده . قال تعالى:« واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ».
ترقيق القلب: قال الصادق(ع):« إذا اقشعر جلدك ، ودمعت عينك ، ووجل قلبك ، فدونك دونك ، فقد قصد قصدك ».
البكاء والتباكي: خير الدعاء ما هيجه الوجد والأحزان، وانتهى بالعبد إلى البكاء من خشية الله سبحانه ، ذلك لأنّ الدمعة هي سفير القلب ولسان المذنب !
التضرع ومد اليدين: قال(ص):« إنّ الله يستحي من العبد أن يرفع إليه يديه فيردهما خائبتين ».
الإلحاح بالدعاء وعدم القنوط: قال الباقر(ع):« والله لا يلح عبد مؤمن على الله عز وجل في حاجته، إلا قضاها له ».
التختم بالعقيق والفيروزج: إذ يستحب في الدعاء لبس خاتم من عقيق أو من فيروزج .
الآداب المتأخرة عن الدعاء:
أن يقول الداعي: ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله .
أن يختم بالصلاة على محمد وآل محمد(ع) .
مسح الوجه والرأس باليدين .
في حال إستجابة دعائه، أن يحمد الله ويصلي صلاة الشكر.
ترصد الأزمنة الخاصة: لا بد للداعي أن يراعي إختيار الأوقات التي هي مظنة الإجابة ، فالأوقات ليست كلها سواء !
وهذه جملة من الأوقات التي ترجى فيها إجابة الدعاء:
جوف الليل  عند زوال الشمس  بعد الصلوات المكتوبة.
الوتر والسحر وما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.
قبل طلوع الشمس و قبل الغروب .
ليلة الجمعة ويومها  ليالي القدر(١٩ ـ ٢١ ـ ٢٣) من رمضان
ليلة الفطر  ليلة الإضحى  أول ليلة من رجب .
ليلة النصف من شعبان  ليلة العاشر من ذي القعدة .
ليلة مولد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ويومه .
ليلة مبعثه الشريف(ص) ويومه  ليلة عرفة ويوم عرفة .
في هذه الأوقات التي قال عنها أمير المؤمنين(ع):« تفتح أبواب السماء في ستة مواقيت: عند الغيث ، وعند الزحف ، وعند الأذان ، وعند قراءة القرآن ، وعند الزوال ، وعند طلوع الشمس ».
موانع إجابة الدعاء: الدعاء يوجب صفاء الباطن وخشوع القلب ورقة النظر وتنور النفس وتجليها، وقد جعله الله تعالى مفتاحا للكشف، وسببا لتواتر مزايا اللطف، وبه تحلق النفس في سماء الحق حرة طليقة !
وهو سلاح المؤمن وجنته الواقية، وسهام الليل التي يسددها كيفما يشاء.. ولكن حتى يكون دعائه كذلك، يجب على الداعي إزالة الحجب والموانع التي تحول دون صعود الدعاء، ومن أهمها:
إقتراف المعاصي، والظلم وأكل الحرام ، وعقوق الوالدين، وقطيعة الرحم.. وغيرها من الذنوب التي تحبس الدعاء .
قال علي(ع):« خير الدعاء ما صدر عن صدر نقي وقلب تقي ».
أسباب تأخر الإجابة:
ربما لو إستجيب لك، لكانت الإستجابة تنطوي على مفسدة لك أو لغيرك لا يعلمها إلا هو جلت قدرته، قال تعالى:{ وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون }.
قد تؤخر الإجابة عن العبد المؤمن لزيادة صلاحه وعظم منزلته عند الله عز وجل . جاء في حديث قدسي:« وعزتي وجلالي وعظمتي وبهائي إني لأحمي وليي أن أعطيه في دار الدنيا شيئا يشغله عن ذكري حتى يدعوني فأسمع صوته ، وإني لأعطي الكافر منيته حتى لا يدعوني فأسمع صوته بغضا له ».
قال الإمام الصادق( ع):« كان بين قول الله عز وجل:" قد أجيبت دعوتكما" وبين أخذ فرعون، أربعين عاما ».
دعوات مستجابة :
الدعاء للأخ المؤمن بظهر الغيب، ولأربعين من المؤمنين .
دعاء الوالد الصالح لولده إذا بره، ودعاؤه عليه إذا عقه .
دعاء الولد الصالح لوالده  دعاء الإمام العادل لرعيته .
دعاء المسافـر  دعاء الصائم حتى يفطر.
دعاء الفقير فإنّ دعوة السائل الفقير لا ترد .
دعاء المظلوم على من ظلمه، ودعاؤه لمن إنتصر له .
دعاء المريض لعائده  دعاء المجاهد في سبيل الله .
دعاء الحاج أو المعتمر حتى يرجع .
دعاء الأطفال ما لم يقارفوا الذنوب .
دعوات لا تستجاب :
دعوة من يطلب تغيير حالة ناتجة عن إرتكابه إثما أو تقصيرا في واجب. ومثل هذا الداعي لا يمكن أن يترتب أثر على دعائه، حتى يتوب مما إرتكب أو يزيل أسباب حصول تلك الحالة وعللها. مثل مظلوم يدعو لإزالة مظلمته، وهو متحمل لمظالم العباد وتبعات المخلوقين، قال الحق سبحانه في حديث قدسي: « وعزتي وجلالي لا أجيب دعوة مظلوم دعاني في مظلمة ظلمها، ولأحد عنده مثل تلك المظلمة ».
طلب العبد ما لا يحل أوما فوق قدره . قال الصادق(ع):« من سأل فوق قدره ، إستحق الحرمان ».
الدعاء بلا عمل: قال(ص) في وصيته لأبي ذر:« يا أبا ذر، مثل الذي يدعو بغير عمل، كمثل الذي يرمي بغير وتر».
آثار الدعاء: إنّ الدعاء هو السر الذي يربطنا بخالقنا، وهو من أنجع الوسائل وأعمقها في تهذيب النفوس، ومفتاح الرحمة ونجاح الحاجات، وهو شفاء من كل داء، وبه يرد القضاء ويدفع البلاء ، ولا يدرك ما عند الله تعالى إلا بالدعاء والإبتهال. ولولاه ما اكترث الله بنا، حيث يقول:{ قل ما يعبؤا بكم ربي لولا دعاؤكم }.
ومن آثار الدعاء:
قضاء الحوائج: قال تعالى:{ وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين، فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين } الأنبياء ٩٠
الدعاء شفاء من كل داء: خصوصا الأمراض النفسية، فقد أكدت البحوث الطبية، أنّ الطب الروحي من أهم الأسباب في تخفيف مثل هذه الأمراض وإزالتها. قال تعالى:{ وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين }.
الدعاء إدخار وذخيرة: إذا واظب عليه العبد في حال الرخاء، يكون له ذخيرة لإستخراج الحوائج في البلاء. قال الصادق(ع): « إنّ الدعاء في الرخاء ، يستخرج الحوائج في البلاء ».
الدعاء يهذب النفس: فهو من أهم العوامل التي تسهم في بناء الإنسان المؤمن، والتي تكسب الداعي النقاء والصفاء، وخشوع القلب ورقته، وتصنع منه ذاتا محبة للخير.. فيصل بتلك النفس إلى درجات المتقين .
الدعاء سلاح المؤمن: قال تعالى:{ ونوحا إذ نادى من قبل فآستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين }. وقال(ص):« ألا أدلكم على سلاح ينجيكم من أعدائكم ويدر أرزاقكم ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال(ص): تدعون ربكم بالليل والنهار، فإن سلاح المؤمن، الدعاء ».
الدعاء يرد القضاء ويدفع البلاء: قال تعالى:{ أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء }. وقال الصادق(ع):« إنّ الدعاء يرد القضاء وقد نزل من السماء وقد أبرم إبراما».
قال أمير المؤمنين(ع) في وصيته لولده الإمام الحسن(ع):«.. واعلم أنّ الذي بيده خزائن السموات والأرض قد أذن لك في الدعاء وتكفل لك بالإجابة، وأمرك أن تسأله ليعطيك وتسترحمه ليرحمك ، ولم يجعل بينك وبينه من يحجبه عنك ، ولم يلجئك إلى من يشفع لك إليه، ولم يمنعك إن أسأت من التوبة ، ولم يعاجلك بالنقمة ، ولم يعيرك بالإنابة ولم يفضحك حيث الفضيحة بك أولى، ولم يشدد عليك في قبول الإنابة، ولم يناقشك بالجريمة ، ولم يؤيسك من الرحمة. بل جعل نزوعك عن الذنب حسنة ، وحسب سيئتك واحدة ، وحسب حسنتك عشرا ، وفتح لك باب المتاب . فإذا ناديته سمع نداءك ، وإذا ناجيته علم نجواك. فأفضيت إليه بحاجتك ، وأبثثته ذات نفسك ، وشكوت إليه همومك ، واستكشفته كروبك ، واستعنته على أمورك ، وسألته من خزائن رحمته ما لا يقدر على إعطاء غيره من زيادة الأعمار وصحة الأبدان وسعة الأرزاق. ثم جعل في يديك مفاتيح خزائنه بما أذن لك من مسألته ، فمتى شئت إستفتحت بالدعاء أبواب نعمته واستمطرت شآبيب رحمته. فلا يقنطنك إبطاء إجابته فإنّ العطية على قدر النية. وربما أخرت عنك الإجابة ليكون ذلك أعظم لأجر السائل وأجزل لعطاء الآمل. وربما سألت الشيء فلا تؤتاه وأوتيت خيرا منه عاجلا أو آجلا، أو صرف عنك لما هو خير لك . فلرب أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته . فلتكن مسألتك فيما يبقى لك جماله وينفى عنك وباله، فالمال لا يبقى لك ولا تبقى له».
قال الله تعالی:{ وإذا سألک عبادي عني فإني قریب أجیب دعوة الـداع إذا دعان فلیستجیبوا لي ولیؤمنوا بي لعلهـم یرشـدون } البقــرة ١٨٦
وصلى الله على رسوله وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين.